العائلة وتربية الطفل والعوامل الداخلية والخارجية

كمال براكس

السلوك العقلاني لا يمكنه ان ينبثق الأمن صميم المجتمع (اي بتغيير الذات) ويجب ان تكون قائمة على معرفة النفس، ومستبّدة من اختبار داخلي صميم. والعائلة كمؤسسة اجتماعية هي الوسيط الرئيسي، بين شخصية الفرد والحضارة التي ينتمي اليها، وان شخصية الفرد تتكوّن ضمن العائلة، وان قيم المجتمع، وانماط الشكوك فيه تنتقل الى حدٍ كبير وتتقوّى من خلال العائلة، وخصوصاً الأم التي تُمثّل فيه دوراً حاسماً، من حيث اثرها في تكوّن شخصية الطفل، والانسان حصيلة عوامل وراثية وبيئية، وطرق تربية الطفل تمثل دوراً حاسماً في تعيين نوعية الشخصية، من حيث ارتباطها بمجتمع معين، ودلالتها عليه. ولذا فإن فهم طرق تربية الطفل، يؤدي الى فهم السلوك الاجتماعي ودافعة في المجتمع. وان المواقف التي يتخذها الوالدان ضمن العآئلة، تؤثر تأثيراً حاسماً في نمو الشخصية، وذلك لأنها تؤثر في حاجات الطفل الاساسية، وتأمين استمراره في الوجود، وتمتعه بالاطمئنان العاطفي ويستمر الوالدان طول مرحلة الطفولة، في تمثل دور خطير الأهمية، في ما يتعلق بضبط دوافع الطفل، وارواد حاجاته وتحديد مقاييسه، والتزثير في مختلف مراحل النمو والواقع ان الفرد البشري، يعيش في هذه الحقبة من حياته، حساسية قصوى بالنسبة الى شروط البيئة وسائر العوامل المؤثرة.
ان التغييرات التي تطرأ على طرق تربية الطفل، وعلى تجارب الطفولة، تنبع قبل كل شيء، من موضع الطبقة الاجتماعية، التي تنتمي اليها العآئلة، اي من مستواها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كما من وضعها الديني والاقليمي.
ان تماسك العائلة، يتحقق بواسطة ادراج الطفل في المجتمع، من خلال اعتماده على العائلة وربطه بها ودعمه اياها. ومن اهم نتائج هذا الاعتماد، ان الطفل ينمو وشعوره بأن مسؤوليته الاساسية هي تجاه العائلة، لا تجاه المجتمع، وبالنسبة الى الفرد المرتبط عائلياً بهذا الشكل، لا يمثل المجتمع سوى عالم الصراع والكفاح، بحيث يلتقط الفرد لنفسه مكاناً ليدعم كيانه وكياه العائلة ورفاهها. وهذا ما ثبت مراراً عديدة في وقت الازمات كما جرى عند نزوح الفلسطينيين عن ديارهم في عامي 1948 و1967.
والعائلة في خصائصها الاساسية، صورة مصغرة عن المجتمع. فالقيم التي تسودها من سلطة وقمع، هي التي تسود العلاقات الاجتماعية بصورة عامة، فالنزاع والثضاء والتنافر هي عوامل تميز العلاقات بين اعضاء المجتمع، كما تميز العلاقات بين اعضاء العائلة، وان المرأة في المجتمع العربي، فلا تمثل في الحياة العامة سوى دور محدود، ولكن اثرها الخفي في العائلة وفي علاقتها مع الرجل كزوجة وام وشقيقة وجدّه هو اثر عميق، فهناك في المجتمع العربي، كما في سائر المجتمعات المرتكزة على الرجل، ميل عفوي الى الافراط في تضخيم دور الرجل، والتقليل في دور المرأة، وهكذا فإن الصبي هو في شخصيته الاساسية والى حدٍ كبير حصلة عمل امه لا ابيه، انه من ممتلكاته الخاصة. وهو موضوع اهتمامها وعنايتها الدائمين. وان النظام التربوي والاجتماعي يثني الطفل عن الثقة في آرائه الخاصة، ويشجعه لعى قبول آراء الآخرين، دون تردد او تساؤل. وهذا ما ينهي في نفسه الاذعان للسلطة اي لأبيه، ولكل من هو اقوى منه او اعلى منزلة، ويتعلم ان يكون متحفظاً، والا يتخذ موقفاً نهائياً في اي موضوع. ولا شك في ان الافراط في الحماية كما في العقاب له اثر كبير في نمو شخصية الطفل وتكاملها. مثال ذلك ان الأم التي لا تسمح لطفلها ان يلعب وحده في الحديقة او في الشارع، فتبقيه دوماً الى جانبها، فالطفل العاقل في نظر الأم الذي يجلس الى جانبها هادئاً ساكناً مطيعاً، فهي تتصوّر ان الطفل الحسن التربية، هو الذي لا يحدث ضجة كبيرة، والذي يفعل ما يطلب اليه فعله، والذي يحترم من يكبره سناً، ونتيجة ذلك يصبح الطفل في كثير من الاحيان طفلاً خجولاً يهرب في وجه التهديد، ولا يقاتل عندما يعتديعليه طفلاً يبكي ويشتكي ويلتمس الرحمة عندما يقع في الصعوبات.
ومن اهم الطرق المتبعة في تربية طفل عائلات الطبقة الوسطى، طريقة التخجيل ، ولقد اشار معظم علماء النفس بقولهم. لا شيء اكثر تزثيراً وفعالية في سحق معنويات الفرد من اقناعه بأنه تافه ورديء.
ان الخجل المؤلم الذي يعانيه الاطفال الصغار، لا ينجم فقط عن خجلهم من الغرباء بل ايضاً من فقدان ثقتهم بأنفسهم، والخوف من الاستهزاء بهم.
ان تدريب الطفل علىالمعاشرة، يتم باشراكه في الحديث اولاً وفي الحفلات الاجتماعية وكلما كبر الطفل كلما ازداد تدريبه لتمثيل الادوار الاجتماعية، انه يعتاد قبول نفسه دون انقطاع كفزد من الجماعة، كما يعتاد على النظر الى بقائه وحيداً كأمر غريب او شاذ. ان التدريب على فن المعاشرة هو في الواقع تدريب على المسايرة، والمسايرة تعني ان يسير المرء مع الآخر ويرافقه ويتلاءم معه، والمسايرة وضع اجتماعي يسحر الغرباء لأنها تبحث على الراحة والاطمئنان ، كما انها تزيد من لذة التفاعل الاجتماعي، وتدعيم ميل الحياة الاجتماعية الى التسلية.
ولا شك في ان الافراط في المعاشرة الاجتماعية، يولد حساسية مرهفة تجاه الناس، فالطفل الذي بطبيعته يحاول لفت الانتباه اليه، يتحول الى ممثل انه يصبح واعياً لذاته ويقظاً، وهكذا نجد بوضوح ان المسايرة في مجتمعنا لا تسيطر على اللقاءات الاجتماعية فحسب بل ايضاً على التعامل الفكري، وان الرياد والخداع الذي ترتكز عليهما المسايرة يؤدي بصورة تلقائية الى تغذية الروح العدوانية.
ان تحديات العصر تفرض علينا ، ان ننظر الى واقعنا بمنظار علمي ونواجه انفسنا، ونقولها بصراحة ان اساليب التربية والنظام الاسري، تعاني ازمات واختناقات والتي تحتاج الى دراسات علمية لتشخيصها والوقوف على خصائصها والعوامل المؤثرة فيها وتحديد المشكلات العآئلية والاختناقات في المجتمعات المدنية.
وان من صميم اهداف المعهد الأسري، تزويد المخططين للسياسات الاجتماعية بالمعلومات والمؤشرات والبيانات، التي تساعدهم في تطوير التشريعات والتنظيمات والخدمات والنشاطات التي تسهم في التطوير البنائي والوظيفي للاسرة المعاصرة، وبالاضافة الى المعهد الأسري يمكن تخطيط سياسة التدريب والتأهيل لمختلف مستويات العاملين في الرعاية الأسرية، في مجالاتها المختلفة، حيث ان الهدف من برامج الرعاية هو التنمية الاجتماعية الشاملة وليس علاج حالات المعوقين والكبار والحالات الخاصة.