الشيخ محمد توحيدي والدولة الاسلامية في استراليا

بقلم بيار سمعان

الشيخ محمد توحيدي، العراقي الاصل ، امام احد المساجد الشيعية في غرب استراليا، اطلق تصريحات جريئة في برنامج Today Tonight على القناة السابعة متهماً بعض المسلمين انهم يسعون الى اقامة دولة خلافة اسلامية داخل استراليا يمولها اصوليون واثرياء متطرفون ودافعو الضرائب في استراليا.
كما اعلن ان الاسلام يعاني اليوم حالة من الضيعان. وربط تحذيراته بما يحدث في اوروبا من اعمال شغب واعتداءات واعمال ارهابية يقوم بها مسلمون اصوليون.
واثارت تعليقات الشيخ محمد توحيدي ردود فعل متفاوتة. فرأى البعض ان نشر هذا البرنامج على القناة السابعة يثير الانشقاق داخل المجتمع الاسترالي ويدعم مشاعر الكراهية بين مكونات المجتمع.
ودعا آخرون المسلمين الى التخلي عن هذه الاحلام والقبول بنمط الحياة في استراليا البلد الذي اختاروا الهجرة اليه والاقامة فيه وذهب البعض في تعليقاتهم الى دعوة المسلمين الذين يجدون صعوبة في قبول الثقافة والقوانين الاسترالية ان يعودوا من حيث اتوا.
وتفاجأ آخرون من تعليقات بعض المسلمين على هذه الحلقة متهمين اياهم بالازدواجية في المواقف وتضارب الآراء والممارسات لديهم. فالمسلمون، حسب رأيهم يختارون ما يلائم تطلعاتهم ويعارضون ما يعارض طموحاتهم وعقائدهم.
كما دعا آخرون، كما يرغب حزب امة واحدة، الى اجراء تحقيق حول الاسلام ونوايا بعض المسلمين ومساعي مجموعة منهم لاقامة دولة خلافة في استراليا ومراجعة اسباب رفضهم التكيّف في البيئة الحاضنة الاسترالية. ويلتقي هؤلاء مع الاتهامات التي وجهها الشيخ محمد توحيدي الى القيادات الاسلامية التي تتلقى الدعم من الخارج وترفض سراً القبول بالمجتمع الاسترالي والتكيف معه.
ودعا جمال داوود في البرنامج نفسه الى حظر البرقع لاسباب امنية لافتاً ان المجموعات المتطرفة وحدها تفرض على النساء ارتداء البرقع والنقاب، وهذا حسب رأيه غير منصوص عليه شرعاً ولا يوجد اية نصوص قرآنية تدعو له او تفرض ارتداء النقاب كما يحدث الآن.
ولفت جمال داوود الى ان معظم مَن ادينوا باعمال ارهابية يوجد في عائلاتهم نساء يرتدين النقاب. فالبرقع مرتبط حسب رأيه بالتطرف والميل الى الارهاب…
ويلتقي جمال داوود مع زعيمة حزب «امة واحدة» بولين هانسون والسنياتورة المستقلة جاكي لامبي اللتين تطالبان بحظر النقاب وعدم السماح بارتدائه في المجتمع.
< محمد توحيدي والدولة الاسلامية في استراليا
ومهما تضاربت ردود الفعل والتعليقات على الآراء التي طرحها الشيخ محمد توحيدي حول مساعي بعض المسلمين لإقامة دولة اسلامية داخل استراليا . فهل يحمل هذا الادعاء اية اسس وما هي الدلائل التي تشير الى وجود هذه النوايا لدى البعض من المسلمين.
الاسبوع الماضي ، اعلن مدير مركز المخابرات الاسترالية (آزيو) دانكن لويس امام لجنة تحقيق في مجلس الشيوخ ان 99،9 بالمئة من المسلمين لا يؤيدون التطرّف والارهاب. فيما يوجد 0،01 بالمئة منهم يناصرون الارهاب وهم على استعداد للقيام بأعمال متطرفة، اذا سنحت لهم الظروف. ولفت الى ان الاكثرية الاولى (99،9٪) هم غير مراقبين من قبل الاجهزة المخابراتية.
اورد دانكن لويس هذه الارقام ليشير الى ان معظم المسلمين في استراليا يتكيّفون مع المجتمع، وهم بالتالي غير مراقبين… ورغم التشكيك بصحة هذا الادعاء فإن جميع المواطنين في استراليا هم بالواقع مراقبون، مسلمين وغير مسلمين. والرقابة تشمل الاتصالات الهاتفية والخليوية واجهزة الكومبيوتر والرسائل النصية والالكترونية ونقل الاموال والسجلات الاجرامية والارصدة المالية والسجلات الضريبية والملفات الصحية. فتحركات المواطنين جميعها مرصودة ومراقبة… المهم ان دانكن لويس اراد الاشارة الى ان الاغلبية العظمى من المسلمين هم مواطنون صالحون ولا غبار على سلوكهم العام ولا شبهات تدور حول ميولهم السياسية… ما عدا القلّة الضئيلة. فإن صحّت هذه النسبة، يعني انه يوجد 0،01 ٪ من اصل مليون مسلم استرالي ما يوازي الف مسلم لديهم ميولاً للتطرف.
< قراءة بين السطور
وهذه بعض الامثلة لما تفكر به القلة الضئيلة من المسلمين:
في مطلع الثمانينات، وخلال حفلة لإحدى الجمعيات المسلمة انبرى رجل ليلقي كلمة في الحاضرين دعاهم فيها الى شراء المنازل والمحلات التجارية التي تعرض للبيع في منطقة كانتربري – بانكستاون، لأنه «يجب علينا ان نحولها الى ركيزة اولى ينطلق منها المسلمون الى تغيير الواقع السياسي، ابتداءً من المجالس البلدية الى البرلمان وفرض شروط المسلمين اعتماداً على العدد والتكاثر والأمر الواقع…»
وعندما كشف امر رجل الاعمال وجرت مساءلته، وانكر هذه الادعاءات بحجة انها مجرد نكتة ارضاء لغرائز البعض.
وفي نفس الحقبة اعلن امام احد المساجد خلال عظة الجمعة «ان استراليا هي ارض عذراء وخصبة… وما علينا سوى نشر بذور الاسلام فيها لتحويلها الى بلد مسلم…»
وخلال المرحلة ذاتها عرضت دول خليجية مشروع بناء مكة جديدة داخل استراليا يحجّ اليها مسلمو جنوب شرق آسيا، لكن الحكومات الاسترالية رفضعت هذا الاقتراح.
ومنذ اشهر، وخلال برنامج «علىالهواء من محطة 2ME العربية، طرحت احدى المذيعات سؤالاً للمستمعين حول آرائهم بظاهرة «داعش». شجب معظمهم هذه الظاهرة «غير الاسلامية» التي لا تتلاءم مع روح العصر والانفتاح. غير ان متصلة فاجأت الجميع عندما اعلنت انها تؤيد «داعش»، وذهبت أبعد من ذلك لتقول على الهواء ان استراليا وخيراتها هي ملك للمسلمين. وان اموال السنترلنك هي ايضاً لهم. صدمت المذيعة وارغمت على قطع الاتصال.
ولا يخفي ان بعض الاحزاب السياسية المتواجدة على الساحة الاسترالية تطالب صراحة بفرض الشريعة الاسلامية، لأنها غير مقتنعة بقانون وضعه البشر وهي تريد تطبيق شرع الله في البلاد. ويعتقد البعض ان اسلامهم لا يكتمل الا بوجود حاكم ونظام اسلامي يعيشون في ظله وتحت لوائه.
في لقاء مع السيد قيصر طراد اجرته «التلغراف» منذ اسابيع اكد رئيس الاتحاد الفيدرالي الاسلامي في استراليا ان سياسة المجلس تقوم على احترام قوانين «الارض». كذلك استخدمت الناشطة الاسلامية ياسمين عبد المجيد في برنامج سؤال وجواب (Q&A)على الـ ABC نفس العبارة عندما اجابت السيناتورة جاكي لامبي انه يتوجب على المسلمين ان يطيعوا نظام الارض التي يقيمون عليها.
الطريف في الحالتين هو الحديث عن الارض وكأنها نكرة وعدم ذكر اسم البلد. فهذه الارض لها اسم وتاريخ وقوانين وثقافة وليست مجرد ارض تنتظر من يضيف عليها صفات جديدة. ويفهم ن هذا التعبير عدم الاعتراف بهوية اي بلد. وكأن المسلم هو في مهمة كونية وعليه ان يطبع الارض بطابعه الإلهي الشرعي، فتتخذ بالتالي بعداً جديداً.
الشيخ محمد توحيدي الذي يتلقى تهديدات يومية من مجموعات متطرفة بسبب آرائه الجريئة، يعي دون شك خطورة الاوضاع العالمية ومساعي افتعال حرب بين العالم الغربي المسيحي ( – ) والعالم الاسلامي. وهو يؤمن ان اي سلوك متطرف يساهم في تقريب نزاع الحضارات.
لهذا يسعى الشيخ توحيدي الى انشاء مجلس «أئمة من اجل السلام» فدعا الأئمة الوطنيين والاحرار في استراليا ممن ينبذون الارهاب والتطرّف للتعاون معه من اجل اظهار الوجه الحقيقي والمسالم للاسلام.
قد يعتبر البعض ان اهداف الشيخ محمد توحيدي الشيعي تسعى الى تشويه سمعة السنّة في استراليا..!! باعتقادي ان من يتمعن في الاهداف البعيدة لنوايا الشيخ توحيدي يدعو معه الى اجراء مراجعة عميقة لمظاهر العنف والتطرّف والتشدّد لدى بعض المسلمين ويعمل بتروٍ الى اعادة قراءة التاريخ الاسلامي من اجل تنظيفه من الشوائب التي تساهم في تشويه سمعة المسلمين.
ويجب ألا نتناسى ان من أخترع تنظيم القاعدة ومَن يدعم ويموّل ويسلّح قوات «داعش» هم معروفون لدى الجميع. فلماذا يتمسك البعض بدعم ظاهرة التطرّف –
فالمقاتلون مسلمون، اما الدعم فهو من دول لا تتمنى الخير للمسلمين… الخطورة في كلام الشيخ محمد توحيدي هو انه منح صك براءة للاصوات التي تطالب بمساءلة المسلمين في استراليا ومراقبة تحركاتهم ووضع حدّ لهجرتهم الى هذه البلاد.
باعتقادي ان المساحة هي شاسعة امام الجميع للتلاقي والتصميم على العيش معاً واحترام خصوصيات كل المجموعات الدينية دون الانطلاق في احلام نصبغها بالصبغة الإلهية فالتكيّف مع المجتمع الحاضن والتفاعل الايجابي مع مكوناته بامكانهما ان يبنيا مجتمعاً صالحاً للجميع.
فلنعمل معاً من اجل استراليا، وطن التعددية والفرص والتسامح.. لئلا نقع ضحية طموحاتنا العقائدية ومشاريع التآمر على البشرية جمعاء. اذ يوجد اليوم مجموعات قادرة تسعى الى خفض عدد سكان العالم. والحروب هي افضل سبيل لتحقيق ذلك ولفرض انظمة جديدة…
أليس هذا بعض ما يحدث في الشرق الاوسط الآن –