السوري الجديد

كندة سمارة – ملبورن

كتب أمين معلوف كتابه الهويات القاتلة وذلك من وحي حياته كلبناني قد تأثر بالحروب الأهلية التي حصلت سابقاً بين العديد من الطوائف والجماعات الوطنية. نظر معلوف إلى ما يحصل بنظرة أوسع وأشمل، ملخصاً لنا تاريخاً طويلاً من الهويات المتصارعة في تلك البقعة وما حولها أو ما كان يعرف بسورية الكبرى. رؤية معلوف كانت صحيحة، فالازدحام الهوياتي الذي شهدته المنطقة لا يمكن أن يعادله أي ازدحام في أية منطقة متوسطية أخرى، حيث جمع هذا التراكم خصائص شتى من دين، وعِرق، ولغة، وإثنية، وتاريخ، والكثير غيرها.

هذا التراكم الهوياتي، الذي ضمّ العديد من الهويات العرقية أو المذهبية، كان أحياناً مبعث ثراء ثقافي في مرحلة من المراحل حينما تعاملت الأعراق والمذاهب باحترام مع بعضها. لكن عندما وصلت تلك المنطقة إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية أو العالمية تحول هذا التنوع الهوياتي إلى أداة تشعل هذا الصراع وتغذيه. فتطل علينا قضايا الهويات والأديان والجدليات الثقافية على المسرح السوري مترافق معها كل جوانب التخالف والكراهية والتي كانت هامدة ولأوقات ليست بالقصيرة…. ومن المؤكد أنّ هذه الهوية ليست تعبيراً عن حالة فكرية مصطنعة، بل انعكاس رواسب عميقة من البغضاء والتي ما زالت عالقة تاريخياً بسبب فعل وإن حصل ولكن انقضى عليه قرون.

ما يبعث على التفاؤل أنّ العديد من السوريين الموجودين في الخارج اليوم والذين يتكلمون بلهجات متنوعة،كالحلبية والحموية والإدلبية والساحلية والدمشقية والريفية والحمصية والديرية وحتى الكردية، استطاعوا بشكل أو بأخر أن يجمعوا أنفسهم في المغترب تحت هوية أشمل. فعلى الرغم من اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم ومعتقداتهم والتي تتراوح ما بين الملتزم دينياً إلى الغير معترف بأي دين، وما بينهما، ومع أنهم قد حملوا هوياتهم المختلفة معهم، إلا أنهم استطاعوا بشكل أو بآخر التغلّب على التشدد الهوياتي الذي بدأ يتحلل وينصهر مختلطأ بعضه ببعض… وبما أنّ الهوية كالثقافة ليس لها شكل ثابت بالمطلق وإنما تغتني بالإضافات والحوار الثقافي، لذلك كلنا أمل أن يستطيع السوري الجديد أن يتجاوز هوياته العتيقة التي خذلته، وأن يصنع زمن سوري جديد عنوانه أن يكون سورياً فقط.