الزواج المختلط

بقلم هاني الترك OAM

تشير الدراسة التي وردت في صحيفة «التلغراف عن النسبة العالية للزواج المختلط (32 في المئة) بين ابناء الجيل الثاني والثالث في المجتمع الاسترالي وبصرف النظر عن الاصل العرقي والثقافة.. فان الزواج المتكافئ يقوم على الحب وليس على اساس ذات العادات والتقاليد.. وان اعلى نسبة للزواج بين ابناء نفس الجالية هي الجالية اللبنانية (76 في المئة).. اذ يتزوج ابناؤها من ذات الثقافة والديانة والبلد.
والارقام السابقة لها ما يبررها .. فإن زواج افراد الجيل الاول من الجالية اللبنانية في استراليا سيواجه المتاعب والصعوبات.. وفي اغلب الاحيان لا ينجح الزواج تبعاً لاختلاف العادات والتقاليد واللغة والديانة.. وخصوصاً النسبة العالية من الطلاق للنساء الاستراليات.. وهذه القصة الآتية هي واقعية لشخص لبناني سردها لي.. اقصها هنا للقارئ لما فيها من عبر ورؤية لمشكلة قد يواجهها البعض.
تقول القصة:
هاجرت الى استراليا من لبنان منذ ثلاثين عاماً باحثاً عن حياة افضل ومستقبل زاهر.. وفي اللحظة التي وطأت قدماي الارض الجديدة شعرت بالغربة الشديدة والوحدة المدمرة .. وادركت البعد الحضاري والتباين في العادات والتقاليد بيني وبين افراد المجتمع الاسترالي.. كنت عندما اسير في الشارع اخشى من عيون الناس ان تصب نظراتها على سمرتي العربية وملامحي الشرقية.. وحينما انطق بلهجتي الانكليزية المتعثرة اتحسس وحدتي في داخلي واشعر بالتيه والضياع واتذكر في غربتي اهلي وموطني اللبناني وقابلتها على طريق الصدفة.. شقراء فاتنة طويلة بيضاء كالثلج.. متفتحة كوردة تمتلئ حيوية بقوامها وجسدها بإغراء وجاذبية الانثى الغربية.. تتوقد فكراً وتشتعل عاطفة.. عثرت فيها على وجودي في الارض الجديدة.. فأحسست منذ اللحظة التي رأيتها بدفء عميق وحب صادق هنيء.. تطورت الصداقة بيننا الى حب فأصبحت هائماً بها ومفتوناً بسحرها.. وبت لا استطيع فراقها.. فقد اسكرتني بحبها ولم اكن اطلب المزيد.. ووجدتني مع الأيام اتأقلم بالحياة الجديدة ويتهدم الحاجز الذي كان يفصلني عن المجتمع.
وجاء الوقت لاتخاذ القرار الطبيعي بالزواج.. كنا نظن ان الزواج سيمضي بدون عقبات.. ولكن حدث ما لم نتوقعه.. سمع اهلي في لبنان بالخبر وهرعوا الى استراليا قبل ان يتم الزواج.. وبذلوا المستحيل من اجل منعه. واتذكر كلمات امي الحزينة في ذلك الوقت.
لا تتزوج يا ولدي من امرأة غربية.. تزوج من فتاة بلدك.. تشم فيها رائحة ارضك.. نقية خصبة كالتراب الذي انتبك.. ترفع بها رأسك حين تعلم انها شريفة بلا ماضي.. تصونك وتحافظ على بيتك وتجبر الناس على احترامها واحترامك.. لا تنسى ولدي التقاليد اللبنانية التي زرعناها فيك منذ الطفولة.. انك بحاجة الى زوجة مثلك.. تفهمها وتفهمك.. ترى جمالها في كمالها .. ان حبك لهذه المرأة الاسترالية ليس حباً.. لأن الحب هو استقرار في البيت الزوجي.. والمرأة الغربية لا تصلح ان تصون البيت وتحافظ على الحب.
بت محتاراً بين اهلي وحبي وعليّ ان اختار وما اقسى الاختيار.. وفي النهاية انتصر صوت اهلي على حبي.. وتحطمت علاقتي بحبيبتي .. وسافرت الى بلدي باحثاً عن شريكة عمري التي تناسبني.. والألم يعصف بقلبي.. فلم استطع ان انسى وجه حبيبتي الباكي.. اخذت في بلدي اطوف البيوت باحثاً عن قدري.. عن فتاة تسعدني واسعدها.. وزحف النصيب اليّ وتزوجت فتاة من بلدي في مدة لا تزيد عن الاسبوعين.. فتاة تبدو في طلعتها وملامحها كل معاني الدلال والاخلاص.. وعدت معها الى استراليا.
بدأنا نشق طريق حياتنا في استراليا.. وكانت في البدء حملة كئيبة لا تحمل طعماً للاثارة والمتعة.. فحينما كنت انظر الى زوجتي اتأملها اقارن بينها وبين حبيبتي واقول في اعماق ذاتي: لماذا تتفوق المرأة الغربية على العربية بالفكر والثقافة والشخصية والاستقلالية.. واسرح في ذهول متذكراً حبيبتي التي خذلتها.. واشعر وقتها بأن النار تأكلني من الداخل والعذاب الفظيع يضغط على اعصابي.. احتملت عذابي وادركت انه لا مفر من ان اروّض نفسي بتقبّل مصيري وارتضى بزوجتي.. وللحق والانصاف فإن زوجتي منحتني العطف والحب والحنان واندفعت تعتني بي وبمنزلي وتخلص لي اخلاصاً متناهياً.
سارت الحياة بهدوء حتى انجبنا اربعة اولاد وهي لا تتوانى عن توفير السعادة لي ولأولادي.. لقد صدق كلام امي ان زوجتي هي مثال الزوجة اللبنانية المخلصة الوفية.. ومع مرور الزمن نسيت طيف حبيبتي.. واردكت ان السعادة ليست في مقاييس الجمال ولكنها الارتضاء بالنصيب وتحقيق الانسجام بين عواطفي وزوجتي واطفالي.. لقد تيقنت ان اهم عامل في انجاح الزواج هو المسؤولة نحو البيت والزوج والاولاد.. وان الحب الحقيقي هو الحب المستقر الطويل الأجل في بناء بيت سعيد.. لقد حاولت زوجتي بكل جهدها بعقليتها الشرقية اسعادي واضفاء الاطمئنان على قلبي.. كانت حياتي في بدء الزواج رحلة صداع انتهى بالشكل السعيد الذي فرضه الواقع.. فإن معظمنا في المجتمع العربي يتزوج بلا مقدمات الحب وبالطريقة التقليدية فينجح الزواج بدفاع المحافظة على البيت والاولاد.. واني ادرك الآن لو استطعت ان اغيّر الماضي فلن اتزوج من التي كانت يوماً حبيبتي.. لأنه في الأغلبية كان سيفتر الحب وتهجرني ويسقط الزواج.. فإن نسبة الطلاق عالية جداً بين الاستراليين. واهم اعتبار في الزواج الموفق والمتكافئ هو وحدة التقاليد وانسجام العادات.
ولكن يجب بالنسبة للجيل الثاني من الاولاد الذي ينشأ في استراليا ان تعطيه فرصة الاختبار المسؤول بالاختلاط بالجنس الآخر لاختبار العواطف قبل الزواج.. فإن تجربتي المريرة بالرغم من نهايتها السعيدة قامت على طريق العذاب.. ولا اود ان تتكرر تجربتي مع الجي لالثاني من ابناء الجالية.. لأن عاطفة الحب هي ضرورية للزواج الناجح ايضاً.