الذاكرة … حينما تشيخ

كندة سمارة – ملبورن

من أعراض الشيخوخة فقدان الذاكرة… قد تأتيك على مهل أو تباغتك فجأة… هذه الذاكرة التي بَنَتْ لنفسها داخلك عالمها السرّي، فكان له ألف باب وباب… في شبابها تدوّن المراثي والأفراح، وتجمع بين ثناياها قصص الحبّ والكراهية، فتزعجك تارةً وتسعدك معها تارات.
تقفز بشهيّة طفولية عليك، تتربع عند قدميك أولاً قبل أن تقتحمك، فهذه هي قواعدها في الحضور. تأتيك بصندوقها السحري، وتنظر إلى عينيك لتتعرف على حالتك الحاليّة. هي ذكيّة بالقدر الذي تغفل أنت عنه، وليست كما تعتقد بأنها تأتيك فقط في وقت الأحزان، وتحشد لك ذاك الوشاح الأسود لتنوح معك… فهي تعرف بأنك أنت من يفعل ذلك وبكامل إرادتك… فهي ذاكرة الورد، لها وخز الشوك وجمال الرائحة.
فإن أردت، ستفتح لك صندوقها الكبير وتخرج لك أول قطعة حبّ، تسعفك بها حتى تغفر لشريكك زلّاته العفوية. تأتيك بأوّل لقاء وأوّل ابتسامة، تعرض عليك رسم قلبك. تمسك بيدك… تذكّرك بالعطر والمكان والصدق والدفء…
لذلك حاول أن لا تهدم الشيء الجميل الذي بينك وبين من حولك، فبداخلهم مثلك حديقة عامرة بالطِّيب… وادعو قلبك لذكرى الحبّ والوفاء، قبل أن تشيخ ذاكرتك، حينها ستضطّر لمواجهتها، وستستحضر بطريقة اعتباطية ما بقي عالقاً فيها من حوادث كررتها من مشاعر الحبّ والكراهية، والتي أصبحت عاجزاً عن استرجاعها كاملة كما كانت… إلى أن تبدأ بالانزلاق نحو النسيان التام الذي سيمحو كل ذكرى وذاكرة، وتصبح جزءاً من الماضي الذي ولّى واختفى.