الديموقراطية والقوة العمومية والهيئة الاجتماعية

كمال براكس

ان تقدم العلم الطبيعي والتكنولوجي، قد أثّر كثيراً في النشوء الاجتماعي، وظهر تأثيره في يومنا هذا، وكلما تقدّمت العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، تقدّمت الصناعات الالكترونية وهذا التقدم يؤول الى تغيير كبير في حياة الاجتماعية، وعدا ذلك فإن انتشار العلم الصحيح بين البشر قد غيّر شيئاً كبيراً من افكارهم واعتقاداتهم، وهذا التغيير لا بد ان يفضي الى التزثير في الأديان، بينما نرى فئة كبيرة من البشر، ترتقي في عقاغئدها وافكارها الدينية وهي الفئة المنورة والمحتارة بين الشعب التي تلجأ الى التقدم النفسي والروحي، وانا نشاهد فئة اخرى ترجع القهقرة اي الى الوراء وتحافظ على مآخذها الدينية، فيعظم بينها نفوذ الرؤساء الروحيين، وفق ذلك فإن هنالك تفاوتاً في اساليب التربية التي تتربى بها طبائع الانسان في العصر الحاضر، فمن الناس من تتغذى فيهم وبأولادهم غرائز حب القتال وسفك الدماء، ومنهم من يعنون بتربية العواطف السامية في الانسان وترقية اخلاقهم.
ان المؤثرات التي تؤثر في حالة الانسان الاجتماعية تتكيّف بتكيّف عيشته فإن عاش منفرداً عن سائر البشر، فيفعل كل شيء كما يريد، ولا يؤثر فيه سوى محيطه الطبيعي، وفي هذه الحالة يكون هو المسيطر الوحيد على نفسه. والحالة التي يجب ان ينظر اليها هي خضوع الفرد للغير واستقلاله عنه، او معرفة الحدّ الذي يقف عنده خضوعه لغيره ويبتدئ استلاله بنفسه.
واغرب من كل ذلك، هو ان حكومات الجمهورية، التي يذهب الناس الى انها من الشعب واليها، وشعارها الديموقراطية، وهي تعمل لمنفعة المواطنين، ولكن لا نرى الا الاستبداد وحب السيطرة، ومن الغلط ان نقول ان البلد الدستوري يحكم نفسه بنفسه. او ان الافراد يشتركون في ادارة امورهم وتسيير شؤونهم، وان احتكار السيطرة والهيمنة موجود في كل دولة، فقد يكون ذلك في شخص واحد، او يكون في بصفة اشخاص، ومنهم من يتبع تلك الاشخاص، فيصبح في حالة يكون فيها تحت سلطتهم لا يقدر ان يفعل الا ما يساق اليه ويكون مكرهاً على التفادي مما ينهي عنه، ومنها حكومات تحت سيطرة القوة العمومية التي تبذل كل وسعها في سبيل اضعاف الفرد، فمن الوسائل التي تتخذها لاضعافه نظام العسكرية القهري، فيكون خضوعه اعمى عامة فإن كل فرد مضطر ان يخضع لمن هو اعلى منه برتبة، واذا تغلّبت القوة العمومية على الافراد، واستحوذت على جميع ما يملكون، فإنه يحدث واحد من اميرين، فإما يقوم الافراد دفعة واحدة، في وجه القوة العمومية، وتكون ثورتهم هذه ثورة اجتماعية صرفة يتوّخون منها ارجاع حقوقهم المغصوبة وحريتهم المسلوبة، فيسقطون الدولة اي القوة العمومية، ويحصل عقيب ذلك، ردّ فعلي يقضي الى تسلّط القوة العسكرية، فتتولى شؤون الأمة وتحكم في امرها، بالاستبداد المتناهي، واما يثور الافراد وينجحون في ثورتهم ولا تنجح الا الامة التي ما زال ينبض في عروقها دم العنفوان
قبلة انظارها منفعتهم ومستقبلهم، وهذا اعضم ما يراد للأمم الحية اليقظة.
ثم ان البشر ينشدون الكمال في جميع ادوارهم، وكلما نشأت حياة اجتماعية مغايرة للإرتقاء الحقيقي، فيقوم صنف من الناس، يجعلون دأبهم مقاومة تلك الهيئة على قدر المستطاع. ومن المعلوم والمعروف ان الأمم المتحدة والساعية دوماً الى احياء السلم والسلام بين الأمم، والتي تسعى دائماً الى تقريب النظر بين الدول المتنازعة، وتحسم كل خلاف او نزاع بين الطرفين، وذلك باشراف هيئة دولية والتي تعطى قيادتها لاصحاب الاخلاق المالية الذين يعرفون بالنزاهة والصدق والاخلاص.
وان الزمن الذي تنقضي فيه الحروب لم يحن بعد، ولا شك ان الحروب من اعظم المعايير التي تصيب الحضارة العصرية، وهي منقوشة في النفوس طبائع سفك الدماء، وترجع البشر الى حالتهم الميؤوسة الشيطانية اي الى الدمار الكلي.
واذا تمّت المحالفات العمومية بين الأمم، ترقّت الهيئة الاجتماعية ترقتاً محسوساً وقطعت خطوات واسعة في سبيل التقدم الحقيقي، وحصل التلاؤم بين نظام المجتمع وبين احوال الافراد، ولا تعود قوانين الاجتماع تغاير منافع الاشخاص، واذا قصد الفرد ان يحيا حياة سعيدة في الوقت الحاضر وجب عليه ان يكيف مطالبه واحواله طبقاً لنظام الهيئة الاجتماعية الحالية، وما فيها من الاختلافات وتشعّب الاغراض والغايات والمنافسات الكثيرة، واذا ادرك الافراد هذا الادراك، ماتت من قلوبهم الغرائز الوحشية التي تحدّد بالمرأ الى الاعتداء على غيره، وترقت العواطف السامية التي تبعث الانسان على خدمة المصلحة العامة، وزالت ايضاً جميع العقبات التي يضعها الآن ذوو المآرب الذاتية في سبيل سعادة الافراد، فيبرز عندئذ الرجل الحقيقي الى ميدان الحياة، ومن الناس من تتنحّوا عن سائر البشر، والقوا عن كواحلهم اعباء المطالب الاجتماعية الحاضرة فأرتقت اخلاقهم ارتقاء مبنياً على اسس متينة.