الجالية العراقية في أستراليا فتية … الثانية عربياً والأكثر نمواً

سيدني – سايد مخايل 

إذا كانت الجالية اللبنانبة في أستراليا تعتبر الأقدم والأكبر عدداً بين الجاليات العربية، فإن الجالية العراقية صنّفت أخيراً وفق الإحصاءات الرسمية، بأنها الأكثر نمواً، على رغم حداثة هجرتها التي بدأت في سبعينات القرن الـ20، قياساً إلى الجالية اللبنانية التي بدأت هجرتها مع وصول أول مهاجر من شمال لبنان في عام ١٨٥٤، وتصاعدت لاحقاً خصوصاً منذ الحرب الأهلية في عام 1975.

في آخر إحصاء أسترالي أجري هذا العام، تبيّن أن الجالية العراقية الفتية، هي أكثر الجاليات نمواً وحلت في المرتبة الثانية عربياً، علماً أن هجرة العراقيين إلى هذه البلاد نشطت في شكل مكثّف منذ عام ٢٠٠٠.

ومن الواضح أن قواسم مشتركة قادت إلى هجرة الجاليات العربية الى البلد الأبعد من الشرق الأوسط، في مقدّمها الظروف الاقتصادية والحروب والاضطهاد السياسي والديني وقمع الأنظمة للذين تصدوا لنظام الحكم الواحد والرأي الواحد.

فالعراقيون بدأوا الهجرة الشرعية إلى أستراليا في السبعينات، حيث كان عدد أبناء الجالية آنذاك لا يتعدى الألف شخص غالبيتهم من المسيحيين.

ويفيد الخبير الدكتور باقر الموسوي بأن هجرة العراقيين الى أستراليا تعود إلى بداية ستينات القرن الـ20، حيث وصل عدد قليل منهم واستقروا في المجتمع الأسترالي.

أما فترة الهجرة الثانية فبدأت مع حرب الخليج في عام ١٩٩٠.

وفي عام ٢٠٠٠ وما بعده برزت الهجرة غير الشرعية عبر المراكب التي كانت تحمل المهاجرين مـــن إندونيسيا الى الجزر والشواطئ الأسترالية، وتمكن تسميتها «الــهجرة الخطرة» إذ فُــقد خـــلالها مئات الأشخاص على متن زوارق قديمة غرقت في المحيط. وقد أوقفتها السلطات الأسترالية من خلال سياسة متشددة تقضي باعتراض قوارب التهريب وإعادتها الى أماكن انطلاقها، فضلاً عن حجز من يصل في مراكز اعتقال خاصة موجودة في جزر نائية وسط المحيط الهادئ. لذا، أصبح على من يريد الهجرة إلى أستراليا من العراقيين وسواهم الدخول من البوابة الشرعية والقانونية للبلاد أو ما يسمى بـ «الهجرة الآمنة» من خلال برنامج الهجرة السنوي الذي استفاد منه فارون من «سكين» «داعش» في سورية والعراق.

ويفوق عدد أبناء الجالية العراقية وفق إحصاء رسمي 67 ألف نسمة، أي بزيادة 19 ألفاً عما كان عليه عام 2011. ويرجّح أن تصبح في الأعوام المقبلة الجالية الأكبر بين ذوي الأصول العربية.

ويلفت متابعون لهذا الملف إلى أن العدد قد يقارب الـ120 ألف نسمة، باعتبار أن الإحصاء يشمل فقط المجنسين رسمياً، ولا يضم مهاجري القوارب والمبتعثين للدراسة في الجامعات الأسترالية الذين انخرطوا مع عائلاتهم في الجالية العراقية.

ولا تتميّز الجالية العراقية بسرعة نموها عددياً فقط، إنما يميّزها الحراك الأدبي والشعري والإعلامي البارز الذي نما مع وصول عدد كبير من المثقفين والأكاديميين الذين أسسوا صحفاً وإذاعات وأصدروا منشورات عدة وأنشأوا منتديات ثقافية وفنية.

نيو ساوث ويلز العاصمة

في بحثنا عن تاريخ الهجرة العراقية سألت «الحياة» مهتمين بشؤون الجالية وحراكها الثقافي والأدبي، من بينهم الصحافي والشاعر العراقي أحمد الياسري الذي لجأ الى أستراليا في عام ٢٠٠٠ بعد وصوله على متن أحد الزوارق التي كانت تحمل اللاجئين من الشرق الأوسط.

يقول الياسري: «مع تسلّم حزب البعث الحكم في مطلع السبعينات هاجر عدد من المسيحيين العراقيين وتحديداً من الآشوريين والكلدان وشخصيات يسارية معارضة، وذلك بعد تصفية البعث لكوادر الحزب الشيوعي. ولم يتجاوز عدد أفراد الجالية العراقية الألف شخص في أستراليا حتى منتصف السبعينات غالبيتهم من الآشوريين.

أما مرحلة الهجرة الثانية فبدأت بعد حرب الخليج عام ١٩٩١، حيث وصل إلى أستراليا حوالى 3 آلاف شخص غالبيتهم من شيعة الوسط والجنوب، قدموا من معسكر رفحاء في السعودية ومعسكرات اللاجئين في إيران.

أما «الموجة» الثالثة أو الهجرة الكبيرة فبدأت في عام ٢٠٠٠ حيث لجأ عراقيو دول جوار العراق إلى أستراليا، ووصلوا الى جزرها خصوصاً جزيرة «كريسماس» على دفعات عبر الزوارق، بعدما فقدوا الأمل بالعودة إلى بلادهم. وقد بلغ عددهم في معسكر «كيرتن» (غرب) حوالى ألفي مهاجر في عام واحد.

وتعتبر هجرة عام ٢٠١٤، تاريخ انطلاق «داعش»، امتداداً للهجرات السابقة، وهي مزيج من الهجرة الآمنة والخطرة.

وتُعد ولاية نيو ساوث ويلز عاصمة الجالية العراقية، خصوصاً في مناطق فيرفيلد، أوبرن وليفربول، الضواحي الأبرز للكثافة العراقية في غرب الولاية، وتقطن أوبرن غالبية شيعية وفيرفيلد غالبية مسيحية، وليفربول غالبية مندائية وكورية فضلاً عن قوميات أخرى. وينطبق هذا التشكيل على خريطة الجالية العراقية في ملبورن وبرزبن وأدلايد وبيرث، ولكن بأعداد قليلة.

ووفق الياسري للجالية العراقية إسهامات ثقافية وإعلامية، فقد «أسسنا ثلاث صحف رئيسة هي الفرات والعراقية وبانوراما، وأخرى ناطقة بأسماء جمعياتها كمجلة الرافدين الكلدانية وجريدة العهد المندائية، إضافة إلى منشورات أخرى لم تستمر كمجلة جسور الأدبــــية». وخارج نيو ساوث ويلز تعتبر «الوطن» التي أنشأها محمد بكر وأشواق الجابر من الصحف الناشطة في العاصمة كانبيرا، إضافة إلى إذاعات وقنوات إعلامية حديثة كقناة «الصدى»، و «سواقي» التابعة لمؤسسة سواقي الإعلامية. كما أسست منتديات ثقافية عدة نشطت في أكثر من مجال ونظّمت حوارات ومهرجانات تكريمية.

وتوجد في أستراليا نحو 10 كنائس للآشوريين والكلدان والسريان، فضلاً عن مساجد ومراكز دينية إسلامية ومندائية، أبرزها مركز أهل البيت الإسلامي في أوبرن.

ترابط اجتماعي

ما يميز الجالية العراقية، والكلام للياسري هو الوعي الثقافي في ترابطها الاجتماعي وانحسار دور الأحزاب السياسية على أدائها وعدم انعكاس ظروف العراق السياسية على علاقاتها ونشاطاتها المشتركة. فبعد حادثة كنيسة النجاة مثلاً أقامت المراكز الاسلامية مجالس عزاء، ألقى خلالها مار ميلس زيا مطران الكنيسة المشرقية الآشورية في أستراليا ونيوزلندا كلمة تاريخية في مركز الإمام المهدي بفيرفيلد حول الوحدة العراقية في أستراليا.

أما أبرز النقاط السلبية فهي عدم إنفتاحها على الحياة السياسية في المجتمع الأسترالي، فنينوس خوشابا هو أول نائب عراقي مثل الجالية في برلمان ولاية نيوساوث ويلز. في حين تتمتع الجاليات العربية الأخرى بحضور وتمثيل يفوق نسبتها العددية، لذا تحتاج الجالية العراقية إلى إعادة ترتيب أوراقها مع المؤسسات الأسترالية لتحظى بتمثيل يناسب حجمها وحضورها المهمين.

وأصبحت الجالية العراقية في فيكتوريا متنوّعة ثقـــافياً، نظراً لوجود مستوطنين من مختلف الخلفيات العرقية والثقافية بما في ذلك العرب والأكراد والتركمان والكلدان والآشوريون. وعلى رغم أن الإسلام هو الدين السائد في العراق، فإن 28 في المئة فقط من المهاجرين العراقيين مسلمون.

ويتحدّث حوالى نصف أفراد الجالية العراقية العربية في منازلهم، و3 في المئة فقط الإنكليزية، ما ينعكس على عدد المهاجرين الجدد.

ويعمل ثلثهم عمالاً مياومين أو في قطاع التصنيع، ثلث آخر في وظائف مهنية. وتتلقى الجالية دعماً من منظمات مثل المنتدى الأسترالي – العراقي وجمعيات دينية وثقافية.