الانسان يضحك

بقلم هاني الترك OAM

يروى ان الحيوانات تداولت يوماً في ما يمتاز عنها الانسان او تمتاز عليه.. فقال الحمار:
– هل بوسع الانسان ان يعطي صوتاً جهورياً كصوتي من بعد مسافة؟
وقال الغزال:
– هل يقدر الانسان ان يباريني في سرعتي كالركض؟
وقال النسر :
– اما انا فألمس السحاب كل يوم. فهل يستطيع الانسان ذلك؟
وقال الفيل:
– انا معروف بقوتي الهائلة التي لا يصل اليها عشرات من البشر. فلماذا يكون الانسان احسن مني؟
وهكذا راحت سائر الحيوانات تفتخر كل منها بما ميّزها الله عن سواها… واخيراً اتفقت جميعها على رأي واحد.. وهو ان الانسان لا يمتاز عنها بشيء.. بل هي التي تمتاز عليه.
ولم تترك هذا الاتفاق طي الكتمان.. بل ذهبت الى الانسان وصرحت امامه بأنها هي التي تمتاز عليه.. وانه متوهم جداً بأنه افضل المخلوقات في هذه الدنيا.
ولما سمع الانسان ما ابلغه اياه الحيوانات لم يغضب قط.. واخذ يضحك بملء فمه ومن كل قلبه.. استمر يضحك نحو دقيقة.. حتى كاد ان يقع على قفاه.. وهو في ضحكه منشرح الصدر مرور الخاطر.
اما الحيوانات فعندما رأت الانسان يضحك اخذت تفكر بالأمر.. وحاولت ان تقلده .. اي تضحك مثله.. ولكنها وجدت في ذلك صعوبة تامة.. اذ ظهرت انيابها واشداقها على صورة مريعة.. ولم يحصل الضحك المطلوب.
ومن طبائع الحيوانات انها لا تكابر ولا تتصنّع ولا تنكر الواقع.. فاعترفت حالاً بأن الانسان يختلف عليها بالضحك.. ويستحيل ان تجاريه.
ومنذ ذلك التاريخ برزت الحقيقة الآتية:
ان الحيوانات تعدو.. تصرخ.. تتألم .. وبعضها ينطق بكلمات.. ولكن الضحك لا يستطيعه غير الانسان.. فقل لعابسي الوجوه الذين يتوهمون ان التجهّم هو نوع من الوقار.. قل لمن لا يبتسمون للرغيف السخن.. قل لهؤلاء واولئك ان يضحكوا.. لأن الحياة بلا ضحك.. مثل الطعام بلا ملح.. قل لهم ان الذي لا يضحك ليس انساناً.
في استراليا تقول مقالة ان الضحك يزيد من الارباح ويحسّن الصحة.. فتفيد احصائية ان 81 في المئة من الموظفين يعتقدون ان محيط العمل الهزلي يجعلهم اكثر انتفاعاً.. وتشير الاحصائية ايضاً الى ان 55 في المئة من الموظفين يفضلون المناخ الهزلي في العمل اكثر من الزيادة في المرتب.. اي انهم يقبلون بمرتب اقل اذا كان المحيط في العمل هو جو مزاج وضحك ومرح.. واهم عنصر لديهم في العمل هو الضحك.. لذلك اصبحت الشركات الكبرى تستأجر خبراء لإدخال الابتسامة والضحك والهزل في مكان العمل.. اذ ان الضحك يحسّن من خدمة الزبائن ويرفع من معنويات وحوافز الموظفين.. ويقلّل من الاجازات المرضية.. ويخفّف من التغيير في القوى العاملة.. فاذا كان الموظفون مبتهجين وسعداء فإنهم يكرسون وقتهم للعمل بصورة افضل.
وفي كتاب قرأته عن عادل إمام يحمل عنوان «ضحكة مصر» قال عبد الحليم حافظ:
«ان عادل إمام هو اجمل اختراع للقضاء على الاحزان».
وقال الكاتب الكبير مفيد فوزي:
«انه اذا كان عبد الحليم حافظ يغني من منطق الحزن فإن عادل إمام يضحك من منطق الحزن ايضاً».
ويقول التاريخ ان اول نكتة في تاريخ البشرية انطلقت في العام 2600 قبل الميلاد وكانت مصرية الروح واللفظ والنكهة.. اشد فتكاً من الرصاص وهي:
قبضت الشرطة الفرعونية على لص خطير سأله القاضي في غضب لماذا تسلقت الى داخل الهرم وسرقت كنوز الفرعون الإله؟
اجاب اللص في ثقة: انكم تقولون ان فرعون هو الإله فلماذا لم ينهض الإله من نومه ليمنعني من سرقة ممتلكاته؟ وبالطبع لم يجد القاضي اجابة.
ولو لم يظهر عادل إمام في ربع القرن الأخير لاخترع المصريون عادل إمام آخر.. لأن المصريين لا يستطيعون الحياة بدون عادل إمام او ما يمثله عادل إمام.. فهو الضحكة التاريخية التي لا يستغني عنها الشعب المصري في اي لحظة من لحظات حياته.