وأخيراً وبعد مخاضٍ عسير خرج الدخان الأبيض من عتمة المفاوضات …… الكنيسة المارونية تبيع دار بولس للمسنين للراهبات -الانطونيات في ملبورن بعد عشرين عاماً من ادارته قداسّ احتفالي وكوكتيل كبير تحوّل الى عرس …

دار بولس للمسنين الذي وُلد مبنىً صغيراً قبل عشرين سنة على أيادي المونسنيور جو طقشي والراهبة الأخت سلام معوض والدكتورة هاديا مختار وآخرين، اصبح اليوم وبإشراف الراهبات الانطونيات ممثلات بمديرته الأخت سلام ، صرحاً انسانياً ضخماً يُضاهي ارقى مراكز رعاية المسنين فخامة قلباً وقالباً ، وأصبحت أسِّرَتُهُ الستون ملاذاً لهؤلاء المسنيين ، الذين ما كانوا ينتظرون في خريف العمر أفضل مما هُم عليه الان بين أيادي ملائكة الرحمة ،الأخوات الراهبات ، وحفنةٍ من المختصين والعاملين في هذا الصرح الكبيرفي طليعتهم السيدة جنات لحود .
خلال السنوات الطوال التي مضت ، كان الهم الأكبر للاخت سلام ومن معها من اخواتها الراهبات ، ان يجعلوا من هذه الدار ، محط أنظار ، وقيمة إنسانية وروحية ، فما هدأت ولا استكانت ، وراحت ومن معها لا يعرفون طعم الراحة ولا هدوء البال ، يسهرن ، يجاهدن ، يتساوى عندهن الليل بالنهار ، يرفضن الإتيان بموظفين او عاملين لان المسؤولية كبيرة والديون متراكمة ولا يحك جلدك مثل ظفرك …
كثيرون ساهموا كل حسب المستطاع ، فالدار يجب ان تكبر وتكبر فالثلاثون سريراً يجب مضاعفتهم ، والمال مطلوب ولكن الأخت سلام كانت تردد بان الله لن يتركنا ، وسيضع يده معنا وبدونه لا نستطيع فعلَ شيء .وهكذا كان ، المحامي حنا مركز رأي ولمس ما تفعل الراهبات وماذا يُقدمن ومن دون مقابل ، وكان تبرعٌ لافتٌ ُيشكر عليه ، وتوالت التبرعات الى ان جاءت التقدمة الكبرى من المحسن لويس فليفل ، والتي بلغت مليون ونصف المليون ، وتحققت الأمنية الكبرى ..
تقول الأخت سلام ، السيدة جنات لحود ، ساهمت مساهمةً فعالة في البناء الاداري للدار ، عملت معنا لمدة ٧ أشهر وبدون مقابل وكانت ترغب وتصر على تقدمة خبرتها وحتى النهاية لكن رفضنا هذا الامر تقول الأخت سلام معوّض ، واردناها موظفة دائمة وها هي ما زالت نبضاً رئيساً في تطور الدار .
وتقول معوّض الديون كانت كبيرة ، ووصلت الفائدة في مرحلةٍ من ا لمراحل الى ٩٥ الف دولار في الشهر ، وعلينا سدادها ، ولَم نسأل احدا على دولار واحد ولا احد سألنا ،لذا كنّا نصل الليل بالنهار كي نوفر اجرة موظفين ، واستمرينا على هذه الحال الى الامس القريب .
وتضيف كنّا نعمل في الدار اخواتي الراهبات وانا وما زلنا دون مقابل ، ما كنّا نتقاضاه هو اننا ننام في الدار ونأكل مما يقدم للمسنيين ساكني الدار ..
المونسنيور جو طقشي ، خادم رعية سيدة لبنان على مدى اكثر من عشرين يقول : بدأنا بمشوار بناء الكنيسة ، وهذا المشروع كانت تكلفته ملايين الدولار ات ، ولم يكن بمقدورنا ان نساهم او نساعد الدار بدولار واحد ، سوى ٥٠٠٠دولار دفعتها الكنيسة في البداية مقابل ٥٠٠٠ دولار دفعتها الراهبات . ويتابع طقشي ومنذ ذلك الحين لم تدفع الكنيسة سنتاً واحداً ، تمّ بناء هذه الدار العظيمة بجهد الراهبات وبعملهن وسهرهن وبالحكمة التي كانت عليه إدارة الدار …
وتقول الأخت معوّض ، كنّا وما زلنا نعمل بروح المحبة التي علّمنا إياها السيد المسيح وسنبقى. وتضيف نحن ابناء الكنيسة التي هي مجموعة المؤمنين وعلينا نحن كما سوانا من ابناء الرعية خدمتها وما ابتغينا ربحاً مادياً ، ولا طمعنا بمال او جاه ، جاهدنا الى ان أصبحت الدار داراً يليق بالكنيسة وابنائها وبالتالي بالجالية ككل .
وتتطرق معوّض الى الاتفاقية التي وقعت بين الرهبنة والكنيسة منذ البداية والتي تنص على ان تتوزع أرباح الدار على الشكل التالي : ٣٠ بالمية للكنيسة و٣٠ بالمية للرهبنة و٤٠ بالمية للدار ، وحتى اللحظة لم ينفذ اي شيء من هذه الاتفاقية ، بل بالعكس ذهبت كل الأرباح للكنيسة مساهمةً في بنائها الذي بلغت تكاليفها ملايين الدولارات ، حتى انه في عام ٢٠٠٥ قدمت الدار مبلغ ٣٥٠ الف دولار والرهبنة لم تسأل أبداً لان الكنيسة برأينا هي الأهم .
وتقول معوّض بكل فخر : لم نطلب أية مساعدة لا من الرهبنة ولا من الكنيسة ، لأننا تصرفنا بحكمة وعملنا بوعي وجهد وتعب ، وكان وما زال همنا هو روحانية الدار ، عمل دائم ومستمر ونشكل خلية نحل ونحن نعيش بفرحٍ عظيم ، همنا الدار وراحة ساكنيه من المسنيين الذين يعيشون خريف أعمارهم بمحبةٍ واحترامٍ وتقدير وراحة بال وجسد .
ونسأل معوّض عن شراء الدار من الكنيسة ، فترتسم على وجهها البرئ ابتسامةٌ عريضة وتتنهد بفرحٍ وتقول : هل تصدق ان السواد الأعظم من ابناء الطائفة يعتقدون بان الدار هو لنا اي للرهبنة وليس للكنيسة ؟! وتتابع نعم هذه هي الحقيقة ، ومن حقهم هذا الاعتقاد لأننا على مدى ٢٢ سنة من العمل أحدٌ لا يعرف الا الراهبة سلام معوّض و» خياتها» الراهبات في الدار فهل نلومهم ؟! ولكن الأدهى من كل هذا ان أحداً لا يعرف اننا نحن نخدم في الدار ونديره بعد ان بنيناه حجراً حجراً ولبنةً لبنةً وقدمناه هديةً للكنيسة دون منة ، ونحن سعداء …
وتتابع ، كانت هناك نية مشتركة بيننا وبين الكنيسة للبيع والشراء منذ مدةٍ طويلة ، وفِي النهاية وبعد أخذ ورد ، اتفقنا مع الكنيسة على الشراء ، فنحن نعمل فيها منذ ٢٢ سنة ، وبالتالي رهبانيتنا الأنطونية عندها أديرة بكل انخاء العالم ومن ثم خدمة المسنيين من ضمن رسالتنا الروحية .
الا ان عملية البيع والشراء استغرقت وقتاً طويلاً من المفاوضات وأحياناً كانت هذه المفاوضات شاقة جداً وأحياناً مؤلمة وموجعة ، وكنا كلما واجهتنا عقبة نتخطاها الى ان صعد الدخان الأبيض من عتمة المفاوضات ولكن بعد مخاض عسير ….
وبحسرةٍ لم نعرف سبباً لها تقول انها في وقت من الأوقات «كم شعرتُ بان نفسي حزينة حتى الموت «. وتضيف : أكثر من عشرين عاماً من العمل المتواصل والسهر والتعب وما ادراك ما العمل في دار المسنين بالرغم من البهجة التي يأتي بها للنفوس ، كان يجب ان نكافأ لا العكس …ولكن لا يضيع أجرٌ عند الله .
وعن السعر الذي تمّ به شراء تقول ١٢مليون و٢٠٠ الف دولار .
ونقوم بجولةٍ في ارجاء الدار ، ونتفقد احوال ساكنيه ، فتدمع العيون فرحاً للحال الراقي الذي تقدمه الأخت سلام معوّض مديرة الدار ومساعدتها الأخت مريات اغناطيوس وفريق العمل، كل في اختصاصه للمسنيين الذين هُم خميرة بيوتنا .
انتهت عملية البيع والشراء على خير ، وانتقلت ملكية دار بولس للمسنين الذي ساهم في بنائه منذ البداية حتى النهاية الأخت سلام معوّض والمونسنيور جو طقس، انتقلت الملكية من الكنيسة الي الرهبنة الأنطونية …
الاثنين ، الثالث عشر من تشرين الثاني الجاري وعند السادسة عصراً ، ترأس المونسنيور جو طقشي قداساً احتفالياً على نية توفيق الراهبات في هذا الإنجاز دعت اليه سيدات الرعية المارونية في الضواحي الشرقية في ملبورن ، حضره الى جانب الراهبات قنصل لبنان العام في ملبورن السفير غسان الخطيب والوزيرة مارلين كيروز والنائب نزيه الأسمر وعقيلته ورئيس لجنة الكتيسة السابق طوني ليون وعقيلته الذي تم انتقال الملكية أثناء توليه المسؤولية ومئات المؤمنين الذين توافدوا من أنحاء ملبورن .
بعد القداس ، انتقل الجميع الى هول الكنيسة حيث أقيم احتفال كبير تكريماً للراهبات قدم الجميع خلاله التهاني لهن ومتمنيين التوفيق واضعين كل إمكانياتهم في تصرفاتهم .
الكوكتيل الكبير والمميّز تحول الى عرس شعبي ، رقصٌ وطبل ودبكةٌ استمر ساعات طويلة وتخلله كلمة للمونسنيور طقشي واُخرى للاخت سلام وقطع قالب من الحلوى اُعدَّ خصيصاً للمناسبة .
مبروك للجالية اللبنانية ، مبروك للراهبات الانطونيات .