حتّى لو كنتِ سمينة.. الموضة تليق بكِ

جوسلين (35 عاماً) تشاهد إحدى محطات الأزياء عبر شاشة التلفزيون. لا يتعدّى طولها متراً وستين سنتمتراً، ولا يقلّ وزنها عن ثمانين كيلوغراماً. تُشعّ عيناها على أجساد العارضات المثاليات اللواتي يتمايلن واحدة تلوى الأخرى على منصّات العرض.لم تشبه عارضات الأزياء يوماً النساء اللواتي يتوجّه لهن عرض الأزياء. من القواعد الأساسية في عالم التسويق معرفة نوعيّة وهويّة الجمهور المُستهدَف وإرضائه.
هذه القواعد تُحترم في تسويق جميع المنتجات إلّا ملابس النساء، حيث الزبونة صاحبة جسد بشري قد يكون سميناً، مُكتنزاً، وقصيراً… أما مَن يتوجّه لهنّ العرض فـ»خلقهنّ الله وكسر القالب»، ومعظمهنّ غير موجودات سوى على منصات العرض نفسها.
وكالات عرض الأزياء ومديرو دور الموضة غالباً ما يكونون من الذكور، وهم لا يوظفون للجري على المنصة سوى مَن تُبهر المدير والمصمّم، وقد فصّلوا مقاسات الجمال حسب مزاجهم الرفيع.
مواصفاتُ العارضة
طول أكثر من متر و 75 سم، القياس نحيف أيّ 32- 34- 36 وفي أقصى حدّ 38، جسد متناسق، وجه ملفت، بشرة جميلة ودون شوائب، عينان كبيرتان، فم جميل وجذّاب، شعر سميك وطويل، المشي بطريقة صحيحة، الأناقة…
وتبحث وكالات عرض الأزياء ودور الموضة عن أؤلئك النادرات في الشوارع والملاهي الليلية ومتاجر الشوبينغ وعلى الشواطئ لتقديم فرص العمل لهنّ بهدف اجتذاب وجوه جديدة.
أما الزبونة فلها مواصفات مختلفة تماماً. مَن يفرضون مواصفات صارمة على العارضات لا يسعهنّ اختيار مَن تريد الشراء ودفع المال، على قياس قوالبهنّ الخيالية.
والحقيقة أنّ 57 في المئة من النساء في بريطانيا يعانين من الوزن الزائد و63 في المئة في الولايات المتحدة الأميركية حيث يراوح المقاس الوسطي للنساء بين 46 و48. النتيجة: هذا الواقع جعل النساء يعانين الأمرّين، نفسياً وجسدياً…
السعي وراء المستحيل
ها هي جوسلين توجّهت إلى السوق منذ بضعة أيام لشراء فستان أنيق ترتديه في زفاف أخيها. أصيبت بوجع الرجلين من كثرة تنقّلها بين متجر وآخر دون أن تجد ضالتها.
ما وجدته يتلخّص بالتالي: أمّا فستان أسود تُقنعها به البائعة على اعتبار أنه «يغطّي عيوبها»، أمّا وإن قرّرت اختيار الألوان فستجد تصاميم لا تليق أبداً بجسدها المكتنز أو تُبرزها مشوّهة الجمال لأنها غير مصمّمة خصيصاً لمحاكاة جسد امرأة ممتلئة. هذا فضلاً عن أنّ جوسلين لم تُفلح في تسكير سحابة عشرات الفساتين الصغيرة جداً عليها ولا تتوفّر مقاسات أكبر منها.
هذا الواقع أصاب نساءً كثيرات باليأس فبتن ينظرن إلى أنفسهن بالمرآة على أنهن قبيحات ورحن يُطبّقن أنظمة ريجيم صارمة وغير صحّية تمكّنهن من إنقاص الوزن بطريقة سريعة طمعاً بارتداء فستان معيّن، وهنّ سرعان ما يعدن لاكتساب الوزن مباشرة بعد ارتدائه.
ولكن حتّى تلك الفتاة صاحبة الجسد الجميل المُعتدل، تنظر لنفسها على أنها سمينة وقبيحة وفور ظهور نُتأة خفيفة في منطقة البطن تتوقّف عن الأكل لأيام. هي تريد أن تمتلك مقاسات العارضة الخيالية فائقة النحافة.
مرّت سنوات قبل أن يدرك عالمُ الأزياء أهميّة تغيير هوية العروض وجعلها أكثر واقعية. ومَن قال إنّ الموضة يجب أن تحاكي فقط فئة معيّنة من النساء احتكرن منصات العروض، على أنهن وحدهنّ جميلات. عام 2013 سجّلت ماركة H&M الشهيرة خطوة إلى الأمام باستخدام العارضة الممتلئة جيني رانك لعرض مجموعة من ملابس السباحة ذات المقاسات الكبيرة. وقبل عامين، وفي مبادرة غير مألوفة افتتح بيت الأزياء الأميركي المتخصّص في تصميم الأعراس David’s Bridal حملة الربيع لصاحبات المقاسات الكبيرة، مستعيناً بعارضة الأزياء الأسترالية ميرسي ويستون، لتقديم رسالة من خلال الحملة بأنّ كل امرأة جميلة حتّى ولو كانت بدينة.
حتّى لا تكون الأنوريكسيا مرادفة للموضة
خطوة أخرى برزت في كانون الأول 2016، عشية بداية عروض الأزياء في أسبوع نيويورك للموضة، هدفت إلى حماية النساء من البدانة المفرطة المهدّدة لصحتهن. اتّفقت الشركات الفرنسية العملاقة في مجال الأزياء الفاخرة، ومنها غوتشي، سان لوران، ألكساندر ماكوين، لوي فيتون، مارك جاكوبس، وكريستيان ديور على ميثاق يمنع التعامل مع العارضات النحيفات للغاية ذوات مقاس 32. ذلك، بعد انتشار توجّه النحافة الشديدة للغاية بين المراهقات لمحاكاة عارضات الأزياء الشهيرات، وما ترتّب عليه من تعرّض حياتهن للخطر.
وأيضاً، شهد أسبوع الموضة في نيويورك الموسم الفائت إقدام دار مايكل كورس على التعاقد مع العارضة البدينة أشلي غراهام لتطلّ في عرضه مرسّخاً نفسه كأحد أوّل الأسماء الكبيرة في عالم الأزياء التي تدعو عارضة بدينة للمشاركة في العرض. وأعاد مايكل كورس استخدام اشلي في عرضه في نيويورك لربيع 2018 هذا الأسبوع.
أيضاً، كسرت دار Addition القاعدة في أسبوع نيويورك للموضة الاثنين الفائت، وقدّمت للمرة الأولى في المدينة عرضاً خُصّص بأكمله للنساء صاحبات المقاسات الكبيرة. فتمايلت على ممشى العرض عارضات مكتنزات تمّ اختيارُهن خصيصاً ليشبهن نساء كثيرات في الشارع.
صحيح أنّ التغيير الكبير لم يحلّ بعد، ولكنّ هذه الخطوات الخجولة لا بدّ أن تفتح طريقَ التغيير الكبير وتحفّز المرأة على تقبّل جسدها كما هو، والاستمتاع بجمالها بدل تدمير ثقتها بنفسها بسبب فرض المسيطرين على عالم الموضة معايير تعجز غالبية النساء على بلوغها، فيعشن مدمّرات يحاربن أجسادهن وبضعة كيلوغرامات، مَن قال إنها قبيحة أصل.