130 عاماً على هجرة كفرصغاب

التاريخ يستهويني واحب التنقيب فيه وهو خير معلم.. فالذي ليس له ماضٍ ليس له مستقبل.. وانطلاقاً من هذه الحقيقة الاساسية فقد اجريت عام 1987 بحثاً ميدانياً عن تاريخ الجاليات العربية في استراليا فزت به بالجائزة الاولى لصحيفة «النهار».. وتعرضت بالتفصيل للجالية اللبنانية بصفتها اقدم واكثر الجاليات العربية حجماً وعدداً وتأثيراً في المجتمع الاسترالي.. وكتبت كذلك بالعربية والانكيزية تاريخ الجالية الفلسطينية بالذات.. ودعيت لإلقاء محاضرة عن تايخ الجاليات العربية في استراليا في لقاء الاربعاء خلال الشهر المقبل..
وكنت قد كتبت مقالة في عام 2012 عن هجرة اللبنانيين من بلدة كفرصغاب.. اعيد نشرها بمناسبة مرور 130 عاماً على الهجرة الكفرصغابية الى استراليا.

بمناسبة مرور 130 عاماً على هجرة اللبنانيين من بلدة كفرصغاب في شمال لبنان وبمناسبة مرور 74 عاماً على استقلال لبنان افتتح معرض لأبناء كفرصغاب في باراماتا حيث قال لين نورمان باسم جمعية كفرصغاب ان والدة جدته روزي اوبراين التي كان اسمها براهين والذي ترجم الى الانكليزية بواسطة موظف الجمارك Rosie O Brien وهو الاسم المكتوب على جواز سفرها وبقي مكتوباً على قبرها هي اول شخص من بلدة كفرصغاب يشتري ارضاً في باراماتا وربما احد اللبنانيين الاوائل حيث وصلت الى استراليا عام 1898 وتعرض رخصتها في بيع الخردوات وبطاقة الغرباء ضمن 500 صورة لكفرصغابيين عرضتها جمعية كفرصغاب بين 24 تشرين الثاني نوفمبر و2 كانون الاول ديسمبر.
وحينما حضرت روزي الى استراليا كانت تحمل بطاقة الغرباء لأن لبنان كان يرزح تحت الحكم التركي.. وقال نورمان (68 عاماً) ان بصمة الإبهام كانت على البطاقة لأن روزي لم تكن تعرف التوقيع باللغة الانكليزية.. واشترت ارضاً تمتد مساحتها بين شارع اندرسون حتى شارع بارك.
ويصل اسلاف كفرصغاب 15،000 استرالي من بينهم لاعب الراغبي ليغ المشهور بن الياس، مطران كنيسة واغا واغا جيرارد حنا والنائبة السابقة لمقعد اوبرن باربرا بيري وجميعهم قدموا من كفرصغاب التي يبلغ عددها 700 شخص.. واطلق اسم باراماتا على احدى شوارع كفرصغاب في التسعينات من القرن الماضي لأن المهاجرين من كفرصغاب لهم تاريخ طويل في باراماتا.
ويقول نورمان: «نحن نندمج بالمجتمع الاسترالي بسرعة وبشكل كبير وقد اطلقنا اسم باراماتا على طريق في بلدة كفرصغاب). وبقي حوالي الف شخص فقط الآن في كفرصغاب اذ ان معظم سكانها قد هاجروا منها الى الخارج.. ففي عام 1897 كانت استراليا مقسمة الى مستوطنات ولم تكن تحت ظل الاتحاد الفدرالي الا في عام 1901 .. وكان تعداد سكان استراليا 3،5 مليون نسمة فقط. وكانت السياسة المتبعة في الهجرة هي فرض القيود على هجرة الملونين وليس الصينيين فحسب.. ويقول اميل حداد مدير التسويق في متجر في سفن هيلز ان ذلك اسهم في تناثر المهاجرين اللبنانيين من كفرصغاب واندماجهم في المجتمع.
فكان المهاجرون الاوائل من لبنان يقومون بالتجارة بالتجول في الولاية وعبر الولايات على ظهر عربات يجرها الخيل لبيع الادوات المنزلية.. وكان الاستراليون يرحبون بهم، ويتبعونهم من اجل معرفة الطريق خطوط سكك الحديد.. ويقول سايمون بولس ان والدة جده قد سارت مع شقيقها من سدني الى تاوومبا حتى ان الاحذية كانت تذوب من طيلة مدة السير.
فكان يسمح للبائعين بالتجوّل وممارسة مهنة التجارة التي كانت اساسية في التوسع بتجارتهم واعمالهم.. وقد منحت روزي اوبراين التي وصلت وحيدة في التسعينات من القرن قبل الماضي من لبنان على متن سفينة بخارية استغرق ثلاثة اشهر منحت رخصة البيع.. وكانت ضمن عدة نساء لبنانيات غامرن بالمجيء الى استراليا مع نهاية القرن التاسع عشر تاركات ازواجهن واطفالهن في لبنان.
ويقول نورمان ان دخول النساء الى استراليا كان اسهل في تلك الزمن.. وكانت روزي ماهرة بالتعامل بالنقود وكانت اول لبنانية تمتلك ارضاً في منطقة باراماتا.
وهناك امرأة اخرى لبنانية رائدة مستقلة هاجرت الى استراليا اسمها ميني جوزيف وصلت في التسعينات من القرن التاسع عشر ومارست مهنة التجارة بالتجول بين سدني واورانج.. وقد مكثت في استراليا مدة 15 عاماً ولكن ابحرت عائدة الى لبنان والذي كان معروفاً في ذلك الزمن بسوريا.. ويقول حفيدها الدكتور طوني جوزيف مدير الطب في مستشفى رويال نورث شور انه بعد وضعها عدة اطفال في البلدة عادت الى استراليا مع ابنها وكنتها، ولكن زوجها لم يأت معها واستقروا في منطقة ليثغو عام 1924 م.. وتابعوا اعمالهم في البيع بالتجول واسسوا مصلحة.. واشتروا اول سيارة في المدينة لقيادة الشيخ انطوان اسطفان الامير اللبناني الذي قام بزيارة ملكية لتفقد العائلات اللبنانية التي استوطنت في استراليا عام 1938.
وكان ابناء البلدة يرسلون المال في ظروف مغلفة الى بلدتهم وكانوا يركزون في طموحهم على التعليم وعدم ضياع فرصة ذهبية للاستثمار في تعليم اولادهم.. وقال محامي المرافعات آرثر موسى الذي تعود جذوره الى كفرصغاب ان امه علمت محاميين وشقيقته لها طبيبان جرّاحان اذ اوقف تعليمهم في لبنان عند سن العاشرة.. وكان ابناء البلدة الواحدة من اللبنانيين يدعمون بعضهم البعض ويمدون يد المساعدة للآخرين.
وتذكّر بولس الذي عمل بمنصب موظف ضريبة مقابلة جرت في منزل احد ابناء كفرصغاب بناءً على توصية من مدير البنك الذي لم يكن لبنانياً حضرها بولس وقدمت له شهادة في التجارة.. فقد جلسوا جميعاً الى المائدة في منطقة غرانفيل وقال له المدير: ( ان جدك كان مجنوناً فقد كفل 441 شخصاً في قروضهم المالية من البنك وليس له رصيد كافٍ).
واضاف بولس انه حينما كان والده يمر على مدير البنك كان يقول له: (هل المدينون يدفعون ديونهم؟) وكان يجبه بأنه لا داعي للقلق.. وكان يرسل ابناء بلدة كفرصغاب المال الى عائلاتهم في البلدة لإصلاح البنى التحتية مثل مشروع تأمين مياه صحية نقية للبلدة.