هؤلاء السجناء اسسوا استراليا

بقلم هاني الترك OAM

يعود تأسيس استراليا الى القرن الثامن عشر.. وشيدت في البدء بسواعد المساجين الذين وصلوا شواطئها بتاريخ 26 كانون الثاني عام 1788.. حيث كان محكوم عليهم بالشحن الى استراليا عقوبة على ارتكابهم الجرائم في بريطانيا.. وهذه نماذج من قصص الذين بنوا استراليا وكانوا في البدء سجناء.
بينما كان المؤلف هولدين غارقاً في اجراء البحوث في التاريخ في المكتبة العامة في كوينزلاند سمع صوت رجل كبير السن يستصرخ من آلام حادة في الصدر.. وقد تبين ان نوبة قلبية قد ألمت بالرجل بعد ان وجد في الابحاث ان واحداً من اسلافه السجناء قد حكم عليه بالنفي الى استراليا.. والجريمة التي ارتكبها هي الامساك به وهو يمارس العملية الجنسية مع حيوان.. وتم شحن سلفه السجين الى استراليا من بريطانيا في القرن الثامن عشر.. وطبعاً لم يشحن الحيوان.
هنكذا اصبح هولدين مبهوراً في البحث في تاريخ استراليا الاول وليس وقت استيطانها فحسب.. ولكن قبل عام 1788 في بريطانيا ايضاً.. فذهب الرجل الباحث الى لندن واخذ بتفحص المستندات التي يعود تاريخها الى ما قبل استيطان البريطانيين الذين جاووا مع قوافل الاسطول الاول.. واصبحوا الأباء الأوائل المؤسسين لاستراليا.
ولفت نظره قصة الطفل جون هيدسون السجين الصغير الذي حكمت عليه محكمة اولد بالي في لندن بالنفي الى خارج استراليا لارتكابه جنحة السرقة لمنزل .. فقد حصل هولدن على المستندات الاصلية لمحاكمة هيدسون في بريطانيا.. وجد نفسه يتعاطف مع الاطفال ابطال قصة الاستيطان وما قبلها الى درجة كبيرة.. وكانت وظيفة هيدسون في ذلك الوقت هي مسح المداخن وهي المهنة الشاقة التي كانت شائعة بين الاطفال في بريطانيا في القرن الثامن عشر.. وحينما مثل هيدسون امام القاضي لم يمثله اي محامي.. وكان عمره آنذاك تسع سنوات.. وحكم عليه القاضي بالنفي الى احدى المستوطنات البريطانية لمدة سبع سنوات.. لأن السجون البريطانية كانت في ذلك الوقت مرتعاً للمجرمين ومكتظة بالسجناء.. وكان ذلك عام 1784 .. اي قبل استيطان استراليا بأربع سنوات.
نقل هيدسون على متن باخرة ابحرت الى اميركا.. ولكن اميركا في ذلك الزمن قد حصلت على استقلالها عن بريطانيا ولم تتمكن السفن البريطانية المحملة بالمساجين البريطانيين من انزالهم الى اميركا.. وقد خاف قبطان السفينة التي كان على متنها هيدسون من الهلاك فحوّل اتجاهها.. تمرّد السجناء على طاقم السفينة وهددوا بقطع اذني القبطان.. ولكن بعد ذلك القي القبض عليهم وهيدسون من بينهم.. واعيد شحنهم مع الاسطول الاول عام 1788.
وهناك شخص آخر اثار اهتمام هولدين وهو الطفل السجين هنري كيبل.. كانت ام هنري واسمها سوزان هولمز سجينة مع ابيه كيبل في السجن لقضاء عقوبة السجن لجريمة سرقة ارتكبتها.. وفي السجن تعرفا على بعضهما فوقع الحب بينهما وانجبا طفلاً هو هنري.. ورأت ادارة السجن في ذلك الوقت شحن هنري وامه سوزان الى استراليا.. حيث اصبحت استراليا هي التي يُرسل اليها سجناء بريطانيا بدلاً من اميركا.. الا ان الحكم لم يتضمن أباه كيبل.. والتمست سوزان الرحمة من لورد سيدني الذي كان وزير داخلية بريطانية في ذلك الزمن.. ووافق لورد سيدني على نفي كيبل مع سوزان هولمز وابنهما هنري عام 1788.
ويقول وزير حقيبة الاسكان الفيدرالي طوني بورك انه يعتز بأنه متحدر من اسلافه السجناء فقد سرق بارتولومي تايلور نقوداً من صندوق الصدقة في الكنيسة المحلية في بريطانيا واصدر القاضي الحكم عليه بشحنه الى نيو ساوث ويلز ولكن ليس الى السجن في سيدني ولكن كخادم منزل لإمرأة كانت مخطوبة له ليتزوجها.. لم يكن باتولومي مجرماً ذكياً اذ اتهم في سيدني بسرقة مجوهرات واطلق سراحه بسبب الافتقار للأدلة.. وذات ليلة فيما كان يمشي في منطقة الروكس في سيدني مرّ امام شرطي الذي حدّق فيه وقال له: الا تعرف حينما تمر امام شرطي قانوني بأن ترفع القبعة؟ فرفع بارتنولومي قبعته وسقطت المجوهرات.. ويقول بورك اي شخص يتوقع ان يصاب بالاحراج لكون اسلافه سجناء فيما يتعلق بالتراث لتاريخ استراليا يكون لا يفهم الطبيعة الاسترالية.. لقد سئل الاسبوع الماضي عدة مرات فيما اذا كان يشعر بالإهانة اذ قام احد الناس بالطعن في التراث الخاص بالسجناء فيقول انه لا يرغب ابداً تغيير كوننا استراليين.. وبصرف النظر فيما اذا كان اسلافنا جاؤوا في القرون الماضية او الاسبوع الماضي فهذا جزء من كوننا جميعاً نؤلف امة واحدة.
كان السجين جيمس روس اول شخص من الذين شحنوا في الاسطول الاول ووطأت اقدامه بورت جاكسون بتاريخ 26 كانون الثاني عام 1788.. وكان قد حكم على روس في بريطانيا بسبعة سنوات سجن لسرقته ساعتين.. وامضى خمس سنوات في السجن في بريطانيا قبل ان تطأ اقدامه بوتاني باي.. واختار الحاكم آرتر فيليب روس لزراعة ارض على ضفاف نهر باراماتا.. وذلك شمل الكوخ التاريخي Experiment Farm College ومنح بعض ادوات الزراعة والماشية.. وفي شهر شباط فبراير نجح المحصول من الذرة والقمح.. واعلن انه ليس في حاجة الى الامدادات في المخزن العام للمستوطنة.. وكانت مكافأته بمنحه 12 هكتاراً من الاراضي.. وعام 1793 باع روس الارض الى جاره الطبيب الجراح جون هاريس بمبلغ 40جنيهاً استرالياً ودمج هاريس الارض التي اشتراها من روس مع ارضه التي كانت مساحتها 44،5 هكتاراً.. وعاش فيها الى ان وافته المنيّة عن عمر يناهز 84 عاماً وذلك عام 1838.. ولم ينجب هارس الاطفال.. وكان وريثه الشرعي ابن اخيه توماس هاريس الذي عاش فيها منذ عام 1840 الى ان توفي عام 1870.. وقد تم بعد ذلك تقسيم الارض وبيعت عام 1870 اذ سميت المنطقة هاريس بارك.. اما روس فقد بقي في استراليا واشترى اراض في منطقة هوكسبري وتوفي بجانب منطقة كامبلتاون عام 1837.
وكل خمسة سجناء كانوا يشحنون الى مستوطنة نيو ساوث ويلز بينهمامرأة.. وكانت جرائمهن السرقة او ممارسة الدعارة.. فقد تم شحنهن بعد قضائهن سنوات طويلة في سجون بريطانيا والكثير منهن كن يعانين من الامراض ولم يسمح لهن بأخذ حمام لعدة اشهر ويرتدين ملابسهن شبه عاريات.. وماتت خمسة نساء قبل ان تشحن من لندن والكثير منهن توفين اثناء الرحلة من بريطانيا الى نيو ساوث ويلز.
ومنهن ماري براينت التي كان يبلغ عمرها 21 عاماً التي كان محكوم عليها بالاعدام لسرقتها ثوب ترتديه.. وقد خفف الحكم الى سبع سنوات سجن في نيو ساوث ويلز.. واثناء الرحلة الى استراليا حَمِلت ووضعت مولودة اسمها شارلوت.. وفي ذات السفينة كان هناك سجيناً اسمه واليام براينت تزوجا بعد ان وصلت السفينة سيدني كوف.. وبعد عدة اشهر نفذ الطعام وكادت ان تداهم المستوطنة المجاعة فقررت ماري ووليام مع بعض السجناء الهرب من المستوطنة.. فسرقوا قارب الحاكم وتوجهوا الى تيمور حيث كانت مستوطنة هولندية.. واخبروا حاكم تيمور الهولندي انهم نجوا من حطام سفينة. ولكن اكتشف الحاكم شخصياتهم الحقيقية مما ادى الى سجنهم.. وتوفي وليام وايمانويل بسبب اصابتهما بمرض وتم ارسال ماري وابنتها شارلوت الى بريطانيا ولكن شارلوت توفت في الرحلة الصعبة.. وهناك اعيدت ماري الى السجن لمحاكمتها ولكن سرعان ما عرفت قصتها حيث اطلق سراحها في شهر ايار مايو عام 1793.
وهناك قصة ماري ريبي حينما كان عمرها 13 عاماً وكنت يتيمة سرقت حصاناً على سبيل المزاح.. القت الشرطة القبض عليها وحكم عليها بالسجن لمدة سبع سنوات بشحنها الى استراليا.. وعام 1794 تزوج مواطن اسمه توماس ريبي ومنحا قطعة ارض صغيرة في شمال سيدني على ضفاف نهر هوكسبري.
ولكن عام 1811 توفي توماس وترك سبعة اطفال مع ماري.. ومنحت ماري 80 هكتاراً من الارض بقرب سيدني.. وذهبت الى تازمانيا حيث اشترت بعض الاراضي واشترت كذلك اراض في سيدني ذاتها.. اسست بعض التنظيمات التي ما زالت موجودة حتى اليوم واصبحت ثرية تقوم بالاعمال الخيرية حتى اسست مدارس Sydney Grammar.. وطبعت صورتها على ورق العملة ذات العشرين دولاراً.
وهناك إيثار ابرهامز كان عمرها 17 عاماً حكم عليها بعقوبة السجن بالشحن الى استراليا بعدما سرقت رباط حذاء من محل لبيع القبعات النسائية. واثناء الرحلة الى سيدني اعجب بجمالها الملازم الاول المسؤول عن السفينة جورج جونستون. وبعدما وصلت الى سيدني انتقلت إيثار للعيش مع جونستون كشريكة له.. مما يعني انها تجنبت الحياة الصعبة في سيدني اذ ابحرت الى جزيرة نورفولك ايلاند حيث ارسل العديد من السجينات اللواتي وصلن على متن الاسطول الاول.. وعادوا بعد ذلك الى سيدني.. ومنحت مع شريكها قطعة واسعة من الارض.. ومهدا الطريق الى غرب سيدني حيث يمر حالياً طريق باراماتا الى شارع جونستون.. وشيدا منزلاً آنذاك والذي اصبح النقطة الاساسية للمدينة. واصبحا ضمن الكثر الاثرياء في سيدني.
وعام 1808 قاد اللواء جورج جونستون الجماعة التي سلمت رسالة الى الحاكم بلاي بضرورة استقالته من منصبه واصبح بذلك جونستون الحاكم المؤقت في المستوطنة لمدة ستة اشهر. واصبحت إيثار زوجة الحاكم جونستون اذ تزوجا عام 1814 وذلك بعد 25 عاماً من لقائهما على متن السفينة التي ابحرت بهما من بريطانيا الى استراليا.