قصة وفاء بين لبنانية واسترالية

بقلم   /  هاني الترك   O A M

كانت قد نشرت صحيفة «سيدني مورنينغ هيرالد» في عددها الاسبوعي Goodweekend ملحقاً خاصاً عن افضل اللقاءات التي اجرتها منذ فترة.. وكان غلاف المجلة صورة وقصة انسانية عن اللبنانية اسابيلا الحايك مع الاسترالية اسابيلا لونغمان حركت مشاعري واثرت عليّ كثيراً واود مشاركة القراء بها:
كانت جوليا الحايك جارة لـ اسابيلا لونغمان.. وتعمقت اواصر الجيرة بينهما الى علاقة الصداقة الحميمة واسابيلا عاقر لا تنجب الاطفال مع زوجها توم.. وجوليا لها ثلاث طفلات تبلغ اعمارهن 5،9،11.. واصغرهن اسمها اسابيلا اسمتها امها جوليا على اسم جارتها اسابيلا من شدة الولع بها في علاقة صداقة وجيرة ومحبة كبيرة.
ولكن الحياة صعبة وفي بعض الاحيان تكون مأساة على الناس.. فقد توفيت جوليا الحايك جراء اصابتها بسرطان الثدي.. وليلة وفاتها اصطحبت اسابيلا لونغمان الطفلات الثلاث وذهبن الى المستشفى الذي كانت ترقد فيه جوليا.. وكانت اسابيلا لونغمان بمثابة ام لـ جوليا.. وقالت لها جوليا « يا امي اني اموت بسلام واعلم ان الطفلات في رعايتك» واسلمت الروح وماتت.
وتقول اسابيلا لونغمان .. «لقد كان بيننا علاقة مميزة لا افهمها.. مع ان الثقافة مختلفة.. ولكن كانت بدون شك علاقة محبة عميقة» .. وقد اثرت وفاة جوليا على تامي البالغة من العمر 11 عاماً حتى ان الحياة تغيرت بالنسبة لها للأبد.. وكذلك ماري البالغة من العمر 8 سنوات ادركت ان امها قد ذهبت ولن تعود.. وقد وجدت اسابيلا لونغمان ملاحظة كتبتها ماري تحت وسادتها تقول «ان امنا قد توفيت وعمري ثماني سنوات».. واسابيلا تحملت الصدمة الشديدة.
وكان لـ جوليا شقيقة تعيش في منطقة هورنزبي التي ارادت ان ترعهى الطفلات ولكن لديها سبعة اطفال تحت سن 15 سنة.. ومن ثم رأت اسابيلا لونغمان ان تتبنى الطفلات بطريقة غير رسمية.. ويطلقن عليها Mum منذ طفولتهن.. وقالت اسابيلا لونغمان «ان هؤلاء الفتيات هن جزء مني فعليّ تربيتهن».
وكانت اسابيلا حايك تذهب الى المدرسة مع شقيقاتها وتعتني بهن ماما Mum اسابيلا لونغمان وتحضرهن للذهاب للمدرسة.. وكانت الامهات في المدرسة يتعاطفن مع اسابيلا الحايك ويحضرن لها الطعام لأن اسابيلا لونغمان كان تعد لها الفيجامايت المغذي حتى اصبحت بدينة.. وكانت تشعر اسابيلا بالأمان مع ماما اسابيلا لونغمان.. لأن طوني والد الطفلات جارها لم يتمكن من العناية بالاطفال بنفسه وحيداً.. وعام 1991 توفي توم زوج اسابيلا لونغمان وكان عمره آنذاك 96 عاماً.. وكانت صدمة مرعبة شديدة على ماما اسابيلا لونغمان.. فكانت زوجة مثالية مقربة جداً منه.. وعلى مدى السنوات الاخيرة من عمره اودع في دار للعجزة بسبب بتر قدمه.. وكانت تزوره ماما اسابيلا لونغمان كل يوم.
وقالت ماما اسابيلا لونغمان ان تربية الاطفال على الطريقة اللبنانية مختلفة عن الطريقة الاسترالية.. وبعض افراد الجالية لا يحبون الحرية التي تمنحها اسابيلا لونغمان للطفلات.. وكان والد الطفلات لا يوافق على تربيتها لهن.. وتقول له «اذا كانت هذه هي الطريقة التي تراها فخذ طفلاتك ودع شقيقك مايكل يربيهن».. وتوقف بعد ذلك مايك وطوني عن الاعتراض على تربيتهما للطفلات.. وتتابع اسابيلا لونغمان قائلة «لقد جعلت هؤلاء الطفلات حياتي اكثر اثارة ومتعة فلم اتمكن من انجاب الاطفال ولكن هؤلاء الطفلات هن بناتي».
واصبح الآن عمر اسابيلا الحايك 28 عاماً وعمر اسابيلا لونغمان 97 عاماً.. وكان عمر اسابيلا لونغمان حين تبنت الطفلات 73 عاماً.. وحينما حضر السبّاك لاصلاح الحمام في منزلهن قالت اسابيلا لونغمان لـ اسابيلا الحايك لا تنسي ان تجعليه يوسع الحمام ليعطي فرصة لي حين اكبر ان آخذ حمام على الكرسي.. فتضحك اسابيلا الحايك وتقول لها: «هل سمعت نفسك تقولين حينما اصبح كبيرة في السن».. حينما تفجرت اضطرابات كرونيلا لم تصدق اسابيلا لونغمان ما حدث وان الاستراليين يتصرفون بتلك الصورة.. واخذت تنادي على التلفزيون «الوحدة.. الوحدة.. هل تريدون رؤية الوحدة.. تعالوا الى منزلنا».
وتقول اسابيلا لونغمان «لقدتألمت من اضطرابات كرونيلا فإنها مرعبة.. فيمكن لكل الاعراق والجنسيات ان تختلط مع بعضها بصرف النظر عن اللون.. ورؤية طفلاتي في منزلنا يؤكد انه يمكن تحقيق التناغم من مختلف الاعراق.. فإني مؤمنة مالياً والطفلات يقمن برعايتي ويبذلن مجهود اكثر مما فعلته لهن.. ولا اعرف كم من السنوات سوف اعيش.. فأنا الآن عمري 97 عاماً.. وقالت لي المبصرة اني سأعيش الى ان يبلغ عمري 100 عام .. ولكن اقول لها : «انني لا اطن اريد الانتظار.. فقد تغيّر العالم.. فقد كبرت الطفلات.. وكان من المرعب جداً لو اني توفيت مبكراً وتركتهن صغيرات».. وتقول اسابيلا حايك.. اذا تساءل احد عن صحة اسابيلا لونغمان فأقول «ان ماما بصحة جيدة.. فنحن نعتني بها.. واتصل بي بعد عشر سنوات.. فستكون على قيد الحياة».