اليوم 11، شهر 11، ساعة 11

بقلم / هاني الترك   O A M

حكايات من الحرب العظمى

غداً السبت 11/11/2017 يصادف ذكرى مرور 99 عاماً على انتهاء الحرب العظمى في 11/11/1918.. تتوقف الحياة لمدة دقيقة حزناً على ارواح الذين قتلوا في الحربين العالميتين الاولى والثانية.. وهو اليوم المسمى بـ يوم التذكّر Remembrance Day والذي يعرف بـ يوم الهدنة Armistice Day .. الذي تم فيه التوصل بين دول الحلفاء ودول المحور الى اتفاقية انهاء الحرب العالمية الاولى.
ولكنها كانت فرصة حزينة لأن جنون الحرب قد مس كل بيت.. وها هو قد مضى على تلك الحرب البشعة 99 عاماً.. صحيح ان استراليا دخلت حروباً متعددة في تاريخها القصير كان معظمها الساحق خارج حدودها.. ولكن لم تكن فداحة خسارتها مثل كارثة الحرب العالمية الاولى التي اودت بحياة الكثير من الاستراليين.. وقصمت ظهر البلاد.
يقف الاستراليون غداً دقيقة صمت يوم 11/11 الساعة 11 مثل كل عام ويتذكرون شهداءهم بألم وحسرة.. وفي ذات اللحظة يحتفلون بإنتهاء تلك الحرب المدمرة الطاحنة.
وبهذه المناسبة اليكم هذه القصص المأساوية من آتون المعارك مسجلة بأصوات الجنود الذين خاضوا الحروب وودعوا الحياة.
< الجنود يجهلون انتهاء الحرب
بينما كانت السفينة الاسترالية عائدة من الجبهة الغربية الى استراليا وعلى متنها الف جندي استرالي مصابين بجروح من جراء الحرب.. واثناء ابحار السفينة بتاريخ 11تشرين الثاني نوفمبر عام 1918 اعلنت الهدنة وانتهاء الحرب العالمية الاولى.
رست السفينة على الشاطئ فلاحظ الجنود المصابون ان الناس يركضون في كل مكان في سرور وفرح ولم يكن الجنود يعرفون السبب.. فلم تكن قد وصلت اليهم اخبار انتهاء الحرب.. فلما عرفوا من الناس الخبر السعيد اخذ الجنود يسرحون ويغنون ويمرحون ويرقصون في السفينة.. يقذفون الصحون والزجاجات من شدة فرحهم بانتهاء الحرب.. ولكن من الذي يلومهم بعد المآسي التي شهدوها في الحرب؟
كان على متن السفينة ضمن الألف جندي المصابين هاري هارترنيت.. الذي كتب مذكراته عن الحرب ونشرت في كتاب يحمل عنوان Over the Top بعد مرور مئة عام على الحرب البشعة.
سجل فيه ليلة علمه بانتهاء الحرب 11 تشرين الثاني نوفمبر عام 1918.. حيث نام بهدوء وسكينة من شدة فرحته بخبر الانفراج السعيد.
سجل فيه شعوره بالعذاب والألم والمعاناة والغضب والحزن في الحرب.. بل اشمئزازه من سقوط الانسان في الحرب الضروس الشرسة المدمرة.

الاستراليون الحفارون

والمحارب القديم تيد ماتيو الذي توفي عام 1997 عن عمر يناهز 102 والذي خدم في غاليبولي وبعد ذلك من الجبهة الغربية قال في التسجيلات:
ان اصل كلمة Diggers اي «الحافرون» التي تطلق على الاستراليين في جميع انحاء العالم هو معركة غاليبولي.. فقد اعطى قائد القوات الاسترالية سير إيان هاملتون الاوامر للقوات الاسترالية بالحفر Dig in .. وكلما كان عمق الخندق اكثر فإنه يبقى الجنود على قيد الحياة مدة اطول.
وكان الجنود يقولون لبعضهم اننا حفارون.. ومن هناك اطلق على الاستراليين الحفارون.

اقتل او تُقتل

ومن ضمن القصص الحزينة المأساوية المسجلة على الشرائط بأصوات الجنود الاستراليين قال هاورد بوب الذي حارب في فرنسا وبلجيكا انه يذكر في معركة «البرت» التي بدأ فيها الالمان الهجوم على القوات الاسترالية.
فقد انهالت عليهم القذائف الالمانية ولكن جاء الأمر بعد ذلك للقوات الالمانية الانسحاب فقاموا بالتراجع السريع.. «واخذنا نحصدهم من الخلف اثناء انسحابهم بلا رحمه.. كانت مجزرة رهيبة .. ولا ازال اراهم حتى هذه اللحظة وهم يقعون على الارض والدماء تنزف من اجسادهم بغزارة.. هذا المنظر لا زال عالقاً في مخيلتي ويسيطر على شعوري.. فلماذا لم يستسلموا حتى نأخذهم اسرى بدلاً من قتلهم وذبحهم.. ولكن هذه هي الحرب : اقتل او تُقتل».

الفرنسيات يقبّلن الاستراليين

تيد سمارت الذي توفي عن عمر 102 وذهب الى فرنسا واستلم وسام الشرف وزار قبور رفاقه الموتى وارض المعارك هناك قال في التسجيلات انه عندما عرف انه تم التوصل الى الهدنة بين الدول المتحاربة ذهب الى باريس وامضى فيها 10 ايام.. القي بعدها القبض عليه وارسل مرة ثانية للوحدة التي ينتمي اليها.. ويتأسف انه لم يذهب الى باريس في ليلة الهدنة.. فقد تجمعت النساء الفرنسيات حول الجنود الاستراليين وعقدت حلقات الرقص واخذن يقبلن الجنود بالقوة.. وكانت فرحة عامة عارمة بانتهاء الحرب.

الحفارون في كتاب

صدر كتاب للمحارب القديم الذي توفي عن عمر يناهز 105 سنوات مارسيل كوكس.. يحمل عنوان A Life Unravelled يكشف فيه المؤلف عن لغز حياة كوكس والتي لم تكشف خيوطها الا مؤخراً.. اذا كانت حياته مبهمة ليس اكثر من مجرد محارب استرالي قديم شارك في الحرب العالمية الاولى.. وكان قد حصل على اعلى وسام فرنسي رسمي.. ووسام استراليا رفيع المستوى.
فما هي قصة كوكس؟
يبدو ان كوكس ولد في كندا وعلى وجه التحديد في اقليم كوبيك الفرنسي في كندا ومن هنا كان اسمه فرنسياً.. ولكن هناك شهادة ميلاد اخرى كان كوكس يحملها، تقول ان اسمه هو هارولد كيت ومولود في الاول من شهر آذار مارس عام 1899 في منطقة ماركفيل في سيدني.. وحينما اشتعلت الحرب العالمية الاولى عام 1914.. وسمع كوكس بمعركة غاليبولي قرر الالتحاق بالجيش متطوعاً.. وزيّف عمره.. وايضاً التحق بالجيش من منطلق ولاء استراليا لبريطانيا.. ولكن كوكس أُرسل للحرب في الجبهة الغربية في فرنسا وليس الانزاك.. واصيب ثلاث مرات في المعارك.. وكان يغيب عن ثكنات الجيش بدون اذن.. ويعاقب حين يعود.. وكانت الحرب في ذلك الزمن اصعب بكثير من حروب اليوم.. اذ لم تكن الطائرات قد استخدمت في قذف القنابل.. ولم تكن الدبابات والعربات المصفحة متطورة.. وكانت تستخدم السفن في نقل الجنود.. ويبقى الجنود المتحاربون في الخنادق يقذفون القنابل بالمدفعية.. ولذلك كان عدد الجنود الذين سقطوا في الحرب العالمية الاولى العظمى كبيراً.. واثناء اشتراكه في المعارك حاول كوكس الهرب مرتين.. وادخل الى السجن الحربي عقاباً له.. وعام 1918 بعد انتهاء الحرب عاد ثانية الى استراليا.
ولكن عندما عاد قطع كل علاقاته مع عائلته.. فقد شعر بمرارة الحروب ومآسيها.. وندم على اشتراكه في الحرب وقال ان الحروب هي جنون البشرية واصبح يكره الحروب والقتل والدمار والعذاب.. وتعقدت نفسيته جداً من جراء الحرب.. فزيّف اسمه خمس مرات وحصل على ست شهادات ميلاد مختلفة.. وادعى انه يحمل ثلاث جنسيات.. وله خمس حِرَف ومهن.. وتزوج مرة ثانية دونما ان يطلق امرأته الاولى.. وعاش حياة منعزلة لم يرد خلالها تذكر الحرب او كل ما يتعلق بماضيه.. ولم ينطق عن تجربته في الحرب بأي كلمة.
وحينما وصل عمره 101 سنة اي عام 2001 اشترك لأول مرة في احتفال يوم التذكّر Remembrance Day بعد صمته الرهيب لمدة 80 عاماً.. لقد حاول ان يعيد بناء حياته ولكن لم يستطع.. فكان كل مرة ينتحل شخصية جديدة باسم جديد.. وحينما اكتشف ابنه ماركس ان كوكس هو نفسه كان هارولد كيت.. اصيب كوكس بالغضب وصاح مستعراً: «ولا اريد ذكر هذا الاسم مرة اخرى فإنني اكرهه جداً.. واكره عائلتي حتى الموت».. فهو لم يتحدث مع شقيقه او شقيقته طيلة السنوات ولم يشعر بالشوق اليهم اطلاقاً.. لقد انسلخ عن عائلته فور عودته من المعارك.
ودع كوكس الحياة ولفظ انفاسه حينما كان عمره 105 سنوات.. ومات مؤكداً ان اسمه الحقيقي هو مارسيل كوكس.. وليس هارولد كيت الذي اصطنعه من اجل مشاركته في الحرب.. فقد مقت الحروب وكره المعارك التي عقّدته.. بل جنّنته.. واصابته بالاضطرابات النفسية.