الدرس من تاريخ الهجرة العربية في استراليا

By Hani Elturk OAM

ان الانسان هو الكائن الوحيد الذي لديه تاريخ وصاحب التاريخ لأن له ذاكرة ووعي وحضارة. والمعرفة اساسية للوعي.. والمعرفة بماضي الجالية هو اساسي لاستخراج العبَر والدروس لتصحيح المسار.
وهذه الدراسة اعددتها عام 1988 في الاحتفال المئوي الثاني لاستيطان استراليا وفزت بها بالجائزة الاولى لصحيفة النهار في ذلك الوقت.
لم أُغيّر فيها الحقائق والاحداث لأن التاريخ يظل التاريخ.. وهذه الدراسة طويلة سأقوم بعرضها في مسلسل على حلقات في صحيفة «التلغراف» مطلع السنة الجديدة.
ولكني عدلّت من الخلاصة في جوهر الدرس من الدراسة لمعرفة الاختلاف في وقت اجراء الدراسة والاوضاع الحالية للجالية بسبب دعوتي امس الاربعاء في «لقاء الاربعاء» الذي ينظمه الصديق شوقي مسلماني لإلقاء محاضرة عن تاريخ الجالية العربية فذكرت فيها العناوين فقط لتلك الدراسة مع التعديل في خلاصة الدرس والعبَر .. آملاً اجراء دراسة جديدة مواكبة للوقت الحالي اذ وضعت القاعدة الأساسية في تاريخ الجالية حتى عام 1988.

< الدرس والعبَر من دراسة الماضي

رغم وجود العرب في استراليا منذ القرن التاسع عشر، ورغم مساهمتهم المباشرة في بناء الأمة الاسترالية، وتأثيرهم على المجتمع الاسترالي كأفراد وليس كمؤسسات او جماعات.. الا انه يمكن القول ان العرب الذين جاؤوا في الستينات وما بعدها هم الأكثر تمسكاً بالثقافة العربية والتراث العربي. فإن ابناء الرواد الأوائل قد اندمجوا في المجتمع الاسترالي لدرجة ان جزءاً كبيراً قد نسى الثقافة العربية ولا يتكلم اللغة العربية، مع التسليم ان بعضهم لا يزال يمارس بعضاً من التقاليد العربية. الحق ان الفوجين الثاني والثالث من العرب الذين حضروا لاستراليا في الستينات وما بعدها، هم الذين احدثوا حركة احياء الثقافة العربية من جديد ومدها بالدم العربي الطازج، وهم الذين يقومون بالحمل الأكبر في الدفاع عن القضايا العربية والمحافظة على الثقافة واللغة العربية.
هذا هو جوهر الدرس من دراسة التاريخ العربي في استراليا. فعلى الجيل الحالي من العرب، هؤلاء الذين يحملون على اكتافهم عبء المسؤولية الكبرى في امانة المحافظة على التراث العربي، ان لا يكرروا الخطأ. فالدرس الذي يجب ان نتعلمه هو تسليح الجيل الثاني من العرب بالثقافة والتراث العربي، ليقوم هذا الجيل في الحفاظ عليها ونقلها عبر الأجيال، لتحيا في المجتمع الاسترالي عبر التاريخ. ومن هنا تبدو اهمية الاعتناء بهذا الجيل الثاني، يعقد الدراسات والبحوث الميدانية والمؤتمرات التي يشارك فيها الخبراء والآباء مع هذا الجيل لدراسة اوضاعه، وظروفه المعيشية والتعليمية في المحافظة على هويتهم العربية، ودفعهم نحو العلم، لاحتلال مراكز عليا في المجتمع في عصر يقوم على العلم والمعرفة. فرغم ان الجيل الأول – الذي جاء في الستينات وما بعد – الذي يحمل المسؤولية في القيام بواجباته نحو الأجيال القادمة، يواجه مشاكل مثل البطالة والتأقلم واللغة، الاّ ان رسالته الخالدة التي يجب ان يضعها امام عينيه هي الحفاظ على التراث العربي والاهتمام بالجيل الثاني لتسليم الأمانة باعتزاز وثقة.
ان الانتماء للثقافة العربية والنطق باللغة العربية هو فخر ليس بعده فخر، لأن العرب هم ابناء حضارة عربية اسلامية ضاربة بجذورها عبر التاريخ، بل كانت يوماً هي اعرق الحضارات التي نقلت تراث العالم القديم وحفظته واضافت اليه، بينما كان العالم كله غارقاً في سباته العميق.
ولكن جوهر الدرس من الدراسة لم يكتمل بعد ولم يتم تحقيقه على ما يجب لأنه لا يمكن تحقيقه الا بالتفاعل والانخراط والاندماج في المجتمع الاسترالي.
فإن ثقافة المجتمع الاسترالي المتعددة الحضارات مع ان التيار الانكلوساكسوني هو التيار السائد فيها لا تزال في مراحل التبلور والصياغة.
وبعد حقبة من الزمن سوف تظهر ملامح ثقافة المجتمع الاسترالي.. ومن ثم علينا ان نفهمه حتى يفهمنا مع عدم الذوبان فيه.. بل الحفاظ على تراثنا حتى لا ينقرض تراثنا في عصر الانحطاط العربي في العالم العربي.. فلم تؤثر ثقافتنا بشكل بارز في ثقافة المجتمع الاسترالي حتى الآن الا في المأكولات العربية التي اصبحت جزءاً من الثقافة الاسترالية .. والسبب اننا نقلنا كجالية مشاكلنا وانقساماتنا من العالم العربي مما ادى الى تفرقتنا.. بل ان بروز الارهاب ادى الى تزايد العنصرية ضد المسلمين مع انها كانت في الماضي موجودة الا انها اصبحت عنصرية واضحة بتخوّف الاستراليين من الإسلام.
طبعاً لعب الاعلام الاسترالي دوراً كبيراً في نفور الاستراليين من المسلمين العرب .. فلم نهتم بالجيل الثاني الذي اصبح شبه معزول بسبب تقوقعنا كجالية.. حتى ان نسبة البطالة في صفوف هذا الجيل مرتفعة ونسبة التعليم الأكاديمي والمهني والحِرَفي هابطة.. وعدم شعورهم بالانتماء الى المجتمع الاسترالي اذ ان التعليم يلعب دوراً كبيراً في شعور المواطن بالانتماء للمجتمع.
النتيجة المترتبة على ذلك فشلُنا كجالية ان نكون جالية المؤسسات مثل الجاليتين الايطالية واليونانية.. باستثناء بعض المؤسسات التعليمية التربوية التي ترعرعت بعد اجراء الدراسة .. مثل المدارس اللبنانية الكاثوليكية والمدارس القبطية الارثوذكسية والمدارس الاسلامية التي ستظهر ثمرة تأسيسها في الحقبة الزمنية المقبلة.
فعلينا الانخراط في المجتمع الاسترالي والاستفادة من ميزاته الايجابية والحفاظ على حسنات وميزات المجتمع العربي حتى تُسهم في ثقافة المجتمع الاسترالي.. فإن العالم الغربي يدرس علم المستقبل Digital Age اي العصر الرقمي..
ونحن في العالم العربي نتخبّط في الظلام.. فإن الفرصة كانت وربما لا تزال امامنا نحن الجيل الاول في ظل فلسفة التعددية الحضارية ان نحافظ على تراثنا وثقافتنا ونقوم بحمل الرسالة الى الاجيال المقبلة في ذات الوقت التفاعل والاندماج في المجتمع الاسترالي.. مع اننا حتى الآن لم ننجح في تحقيق وتجسيد رسالتنا.. مع ان بعض الاشخاص قد نجحوا كأفراد وليس كجماعات ومؤسسات.
هذه هي الخلاصة والدرس من تاريخ الجالية العربية في استراليا.