أنا أحبك إنسانا يمسح جرح الإنسان

بقلم هاني الترك OAM

مشهد اول:

رجل الأعمال انطوان ينعم بالرخاء .. يمتلك عدة مطاعم تدرّ عليه المال الوفير.. في ليلة شتاء عاصف جلس على بنك في حديقة الهايد بارك منتظرا زوجته الجميلة المترفة .. تأخرت.. استغرق في نوم عميق وهو يرتعد من البرد القاسي.. كان يجلس بجانبه على البنك مشرد.. شعر بقسوة الطقس على انطوان فخلع معطفه وغطاه به.. رقّ قلب انطوان من لمسة حنان المشرد فقرر أن يوزع الطعام على المشردين في الهايد بارك كل ليلة مجانا.. أحس أنطوان الغني بوجع المشرد فانتزع بذلك من قلبه المترف الرحمة على الفقراء المشردين.

مشهد ثانِ:

ذات مساء في طقس ربيع صاف كنت انتظر ولدي الميسور الحال المتكبر الطبع في محطة القطار.. تأخر.. جلستُ مع مجموعة من المشردين من بينهم الأبورجينيون كانوا يتسامرون.. قدمت لكل منهم سيجارة فأكرموني بكأس نبيذ.. دخلت البهجة إلى نفوسهم في مجالستي لهم وسألوني من أنا؟ قلت أنا فلسطيني الأصل.. تهللوا وقالوا يحيا الشعب الفلسطيني فأنتم تعانون من الظلم مثلما حلّ بنا نحن الأبورجينيين.. لقد تمتعت بجمال مجلسهم.. وأي جمال.. جمال الروح.. حضر ولدي المتعجرف ساخطا لمجالستي لهم.. فقلت له متبرما: إن هؤلاء هم أبناء الحياة.. إني أتعاطف معهم.. بل إني أحبهم والمحبة رسالة الحياة.. فحينما تموت المحبة من البشرية ينتهي العالم.

مشهد ثالث:

لوسي صديقة العائلة.. امرأة جميلة في مقتبل العمل تعج بالحياة.. تتردد على منزلنا دائما.. تتعلق بالمغريات المادية.. دائما تشتري اللوتو وتحلم بالمال الوفير.. قلت لها ذات مرة: ألا تعرفين لو توفر لك المال وفُزت بجائزة اللوتو سأقطع علاقتي بك.. قالت كيف؟ سأعطيك جزءا من الثروة.. قلت لها لا أريد.. إني أعتز بنفسي مستورا بين الفقراء.. وأضفت لها: يا صديقتي سوف تنغمسين بمغريات المال ويكون أصحابك من أصحاب الثروة والرخاء.. تعيشين الحياة المترفة الصاخبة.. وأنا أحب معاشرة الفقراء وأجد فيهم روح الحياة.

المشهد الرابع:
منذ أيام خلت كنت أتصدق على رجل استرالي مصاب بإعاقة عقلية .. أدعوه ليتسلى في الحديقة وأعطه ما تيسر من طعام ونقود.. في يوم تلقيت مخالفة كبيرة مع حسم النقاط على سيارتي.. دفعتها على مضض رغم أني لست السائق.. فلم أعرف من هو الذي ارتكبها.. نسيت الحادثة.. وبعد عامين قابلت ذات الرجل في بانكستاون بجانب عملي فقال لي: أنه عرف الله وحياة الإيمان والأمانة والشرف ويريد أن يعترف لي أنه هو الذي سرق السيارة وخالفته الشرطة.. أخرجت من جيبي ورقة فئة عشرين دولارا ووضعتها في كفه وقلت له: حافظ على إيمانك بالله.. إن الله يدعونا بالأمانة والإخلاص.. إن هذا الرجل المسكين أقرب إلى قلبي من الأثرياء والأصحاء.

انتهت المشاهد
من حسن حظي أنني عايشت الشقاء وواجهت الشدائد بقوة الروح والصبر والإيمان.. لهذا أؤثر صداقة الفقراء عن صداقة الأثرياء بل تراني أحبس نفسي في صومعة الفكر مع بطون الكتب.. أطالع على وقع أنغام الموسيقى.. أحس بالنقاء والصفاء والتسامي والروح .. محتقرا المادة التي يتكالب عليها معظم بني البشر.. لأنها بلاء سقوط الإنسان.. وهنا يدق على أذني صوت خفي يقول: أنا أحبك إنساناً يمسح جرح الإنسان.