الاستخبارات الأميركية

كمال براكس

الاستخبارات الاميركية التي انشئت عام 1947، تنفق المال بالبلايين ولا تقدم فواتير منذ عام 1949، هي نشاط سري ، علني، واسع النطاق، هائل الافتراضات، يعني جميع الناس، لأنه يتصدى لكل ما يعني الناس جميعاً، هي اسطورة القدرة اللامتناهية حتى على اجتراح العجائب،فضلاً عن معرفة كل شيء، كل المخبآت ، عن اي كائن كان واية مؤسسة كانت، وأي دولة كانت، هذه القدرة على الفعل والمعرفة. وهي بالفعل تتمتع بها، ام يسندها اليها خيال الناس، لأن كل غامض وكل سري وكل مختبئ، في نظرهم هو خارق، خيال الناس اسند الكثير من الاوهام الى «عالم التجسس». لكن صحيح ايضاً ان واقع الاستخبارات فيه احياناً ما يفوق الخيال، واهمية الاستخبارات تكبر دائماً مع الزمن. وقد تخطّت اليوم بعيداً الأهمية التي كانت لها، يوم بلغت الاستخبارات اوجها.

ان عالمنا الذي يعيش وسط تبادل التهديد، وتبادل الشعور بالخطر، يتصرف على اساس الدول والانظمة والجيوش والاسلحة الكيماوية والذرية والنووية والصواريخ البالستية التي تعمل كبسة زر والتي تعبر القارات بلمحة البصر.

امن الحرب الباردة، والمكر والدسيسة والعنف، فما زلنا على الأرض لا  في الفردوس، وما زال منطق الحكم على الارض هو منطق الحرب، ساخنة كانت ام باردة، عالمية ام اقليمية، بين جبابرة ام بين اقزام، والحرب الباردة التي تحارب الاستخبارات عوض الجيوش، وبالمعلومات عوض الرصاص، والمعارك التي يتنصل منها قادتها اذا انكشفت، وحتى الدول الصغرى تحارب بالاستخبارات، ولو لم يكن عندها «حرب» الا مع بعض اهلها. حتى جاء وقت صار فيه اي كان يتخيّل ان اي كان يراقبه، وان هناك من يراقب الذي يراقب، وان الهمس افضل من الكلام بصوت عال، لأن الجدران لها آذان. نعم حتى الوطن الصغير الذي يكره الظلام اصابه ذات يوم جنون المخابرات، وان الاستخبارات في وقتنا الحاضر موجودة في كل مكان في كل زاوية من كل بيت.

اما الاعتمادات المالية للمخابرات في اميركا فتقدّر بالبلايين، والمال اصبح وبالاسف يعشعش في جميع اجهزة الحكومات اي القنصليات والسفارات جميعها دون استثناء، من اعلاها الى  ادناها، واذا ان ذلك خطيراً وخطراً، والأخطر منه هو ان الفساد تفشّى في اجهزة المخابرات التي اغرقت باللامبالاة.

اما الدسائس والمكائد والطعن في الظهر تُعدّ بالآلاف، والفتن السياسية حينا والدامية احياناً اخرى تعمل على تهديم ليس مقومات النظام فحسب، بل مُقوّمات المجتمعات العالمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون وارع من ضمير او رادع من وجدان.

والاستخبارات الاميركية تستخدم 200 الف مخبر في الولايات المتحدة والعالم وتنفق من 20 الى 25 مليار دولار سنوياً وذلك من دون فواتير.

الموازنة السنوية تُقدّر بخمسة عشر مليار دولار، لوكالة الاسخبارات المركزية وحدها، ولما كانت هذه تشرف على عدد وفير من وكالات الاستخبارات الفرعية الاخرى بما فيها تلك التي تتولّى التجسس الجوي بالطائرات بدون طيار والاقمار الاصطناعية، والسفن الحربية، وعملها خارج الولايات لأن العمل داخلها هو من صلاحية «مكتب التحقيق الفيدرالي وهذه الوكالة الجهنمية متغلغلة في رابطات الطلاب وفي نقابات العمال وفي عدد كبير من الجامعات والمعاهد والمختبرات.

وقسم التخطيط في الوكالات، نجحت في ايران، عندما قلبت حكومة الدكتور مصدق عام 1953، وحكومة غواتيمالا شبه اليسارية عام 1954، محاولة الانقلاب الدموية في اندونيسيا عام 1958، والتي استطاع سوكارنو ان يصمد في وجهها، وتحطيم الثورة في الكونغو عام 1964.

قسم التخطيط حاول تسميم السكر الكوبي اثناء شحنه الى الاتحاد السوفياتي عند توقّف سفينة الشحن البريطانية في احد موانئ الجزر الاميركية الوسطى لاصلاح عطب وقع فيها، والاستخابارات لها «شركات عالمية للسلاح» وتُعَّد بالعشرات في جميع انحاء العالم. كما ان عدد وفير من الشركات الاميركية في الخارج، ليست شركات تجارية بالمعنى الكامل، والاسماء تخفي وراءها فروع للاستخبارات المركزية، قد يكون اسم الشركة يدل على انها للسماد الكيماوي او لبيع الادوية والاستيراد بضاعة تجارية، لكن عملها الحقيقي هو «الاستخبارات».