أستراليا، سياسيون بلا رؤية مستقبلية

عباس علي مراد

لا يزال الخطاب السياسي الأسترالي غارقاً في العقم على مدى السنوات العشر الأخيرة، فعلى الرغم من نجاة أستراليا من الأزمة المالية العالمية عام 2008 وتداعياتها، حتى أن استراليا هي الدولة الوحيدة التي لم تشهد ركوداً إقتصادياً خلال الخمسة والعشرين السنة الماضية لتكون الدولة الثانية بعد هولندا والتي لم تشهد ركوداً إقتصادياً لمدة 26 سنة بين عامي 1982 و2008.
لكن الإداء السياسي لم يتماشى مع الإداء الإقتصادي حيث لا يزال السياسيون مشغولون بالمماحكة السياسية القصيرة النظر التي تحكمها الشخصانية والقبلية الحزبية والعقائدية المغلفة بالمصلحة الوطنية، وخير دليل على ذلك أن ثلث الناخبين لم يصوّتوا لأي من الحزبين الكبيرين (عمال وأحرار) في الإنتخابات الماضية عام 2016، حيث لم تعد يخفى على المواطن العادي فشل الحكومات منذ العام 2007 حتى تاريخه في الإتفاق على قضايا على تماس مباشر مع حياة المواطنين مثل تأمين الطاقة الكهربائية والغاز وتأمين خدمات عصرية في مجال الإتصالات ومعالجة قضايا التعليم والصحة، ولا ننسى مشكلة تأمين سكن بسبب الإرتفاع الخيالي لأسعار المنازل والإيجار خصوصاً في ولايتي نيوسوث ويلز وفيكتوريا، ولم تغب قضية البيئة والإنبعاث الحراري التي ما تزال ساحة صراع مفتوحة بين الحزبين الكبيرين وداخل كل حزب منهما، هذا الصراع الذي أدى إلى تغيير رئيس الوزراء 6 مرات خلال العشر سنوات الأخيرة سواء عبر الإنتخابات العامة أو الإنقلابات الحزبية الداخلية.
إستطلاعات الرأي الأخيرة تظهر تراجع مستوى التأييد الشعبي لكل من رئيس الوزراء مالكم تيرنبول وزعيم المعارضة بيل شورتن رغم تقدّم حزب العمال على الحكومة بنسبة 53% إلى 47% بعد فرز الإصوات التفضيلية.
في هذه الأجواء السياسية المتقلبة ظهر الخطاب الشعبوي العنصري الذي يلعب على وتر الخوف من الآخر، والذي تمثّله بولين هانسون زعيمة حزب أمة واحدة والتي استهدفت في الماضي الصينيين من ثم المسلمين لتصل عنصريتها إلى حد المطالبة بفصل الطلاب المصابين بمرض التوحّد في فصول خاصة بحجة الحفاظ على مصلحة الطلاب الآخرين لما يتطلبه الإهتمام بالطلاب المصابين بالتوحّد جهداً أضافي من المعلمين، لكن الظاهرة المثيرة للقلق هوالصمت الحكومي إزاء تصريحات هانسون حيث رفض وزير التعليم الفيدرالي سايمن برنغهام الإجابة لعدة مرات عن رأيه في تصريحات زعيمة حزب أمة واحدة، وما قيل عن توجيهات من رئيس الوزراء لإعضاء حكومته بإلتزام الصمت وعدم التعليق على تلك التصريحات لأن الحكومة بحاجة لأصوات حزب أمة واحدة الأربعة في مجلس الشيوخ لإقرار خطة كونسكي 2 لتمويل المدارس في البلاد والتي أقرّت الجمعة 23/06/2017 رغم معارضة حزبيّ الخضر والعمال ودعم النواب المستقلون بمن فيهم حزب هانسون 34 صوت مقابل 31 بعد إدخال بعض التعديلات منها زيادة المبالغ المخصصة للخطة من 18.6 مليار الى23.5 وتخفيض المدة الزمنية لتنفيذ الخطة من 10 سنوات الى 6 سنوات.
الحكومة ورئيسها الذي يعيش هاجس الإنقلاب عليه، لا يزال متردداً في إتخاذ موقف من تقرير فينكل لتأمين الطاقة الكهربائية والإلتزام بحصة أستراليا للحد من الإنبعاث الحراري حسب إتفاقية باريس، وسبب تردد رئيس الحكومة التحذيرات التي أطلقها بعض نواب جناح اليمين في حزب الاحرار وأبرزهم سلفه طوني أبوت الذي أطاح به تيرنبول بإنقلاب حزبيّ أيلول 2015،وركزت التحذيرات من استثناء الفحم من خطة فنكل لتأمين كهرباء رخيصة ومستديمة، فلجأت حكومة تيرنبول إلى اللعب على الكلام فيما خصّ هذا التقرير لتقول إنه قُدّم للحكومة ولم يصدر عن الحكومة، مع العلم أن الحكومة نفسها هي التي كلّفت البروفيسور ألن فينكل القيام بالأبحاث حول كيفية تأمين الطاقة والحد من الإنبعاث الحراري.
الحكومة ورئيسها والتي من المفترض أن تحرص على التناغم والإنسجام الإجتماعي والتي يردد رئيسها بأنه يفتخر بأن أستراليا هي الدولة الرائدة بتعدديتها الثقافية، طرحت هذه الحكومة مشروعاً لتعديل قانون الجنسية الأسترالي، ومن أهم التعديلات المقترحة جعل فترة الإنتظار للحصول على الجنسية مدة أربع سنوات وخضوع المتقدّم لإختبار اللغة الإنكليزية الذي يتطلب أن يكون مستواه اللغوي بمستوى طالب جامعي، حسبما قالت المعارضة الفيدرالية التي رفضت التعديلات الحكومية والتي تعطي أيضاَ وزير الهجرة صلاحيات إستثنائية لإلغاء قرارات محكمة الإستئناف الإدارية الخاصة بالهجرة، مع العلم بأن الحكومة التي تتبع سياسة متشددة خاصة باللاجئين والمهاجرين وافقت على دفع مبلغ 90 مليون دولار للاجئين المحتجزين في جزر مانوس وناورو بسبب الإهمال وإساءة معاملة هؤلاء، وقد رضخت الحكومة للتسوية مع شركة المحاماة التي تولّت القضية والتي ستتقاضى مبلغ 20 مليون دولار من المبلغ الإجمالي، كل هذا حتى لا تضطر الحكومة للذهاب إلى المحاكم حيث لا إمكانية لأن تربح القضية وتضطر لدفع مبالغ أكبر، والجدير ذكره أن الحكومة تقوم بهذه الإجراءات بحق اللاجئين على أرضية حماية الحدود والسيادة الأسترالية ولكسب أصوات اليمين المتشدد التي صوتت لحزب أمة واحدة. ما تقدم يدل على فشل هذه السياسة حيث أصبح المطلوب إعادة النظر بهذه السياسة وقف المزاد السياسي في قضايا المهاجرين واللاجئين مع الاخذ بعين الاعتبار أمن البلاد.
إن أستراليا في أزمة سياسية حقيقية لأن الحزبين الكبيرين (عمال وأحرار) يركّزان على كيفية الفوز بالإنتخابات القادمة والإبتعاد عن معالجة القضايا الأساسية والمهمة التي من المفروض على الحكومة والمعارضة معالجتها، وقد وصف الدكتور جون هيوسن الزعيم السابق لحزب الأحرار الأزمة بأنها سباق مبتذل إلى الهاوية (سدني مورنيغ هيرالد 23/06/2017 ص 18)، وهذا ما أشار أليه أيضا في وقت سابق (ك2 الماضي) السكرتير السابق لوزارة الخزينة كين هنري الذي رثى الوضع السياسي قائلاً أنه مصاب بخلال وظيفي ويتغذى على الشعبوية والتوتر القبلي داخل الاحزاب وركز نقده على الوضع الاقتصادي العام والفشل في الاصلاح الضريبي ولم يوفر الفوضى السياسية المتعلقة بالسياسة البيئية وتأمين الطاقة.(س م ه 24/6/2017 ص 21 قسم ما وراء الاخبار)
إذن، إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ حكومة عاجزة، معارضة تعارض من أجل المعارضة، الأسعار تكوي المواطنين بلهيبها وغياب السياسات ذات الرؤية المتسقبلية.
كانت الإنتخابات في الماضي تقدّم حلولاً، لكنها أصبحت آلية مستهلكة في ظل زعيمين يفتقران للشعبية ولا بديل لهما أقلّه في المستقبل المنظور.
الشيء الوحيد المؤكد والذي لم ولن يختلف حوله السياسيون هو زيادة 2% على معاشاتهم مع تخفيضات ضريبية أيضاً وبنفس النسبة إبتداءاً من 01/07/2017 في نفس الوقت الذي أقرّت فيه الحكومة الفيدرالية تخفيضات علاوة العمل للعمال ذوي الدخل المنخفض الذين يعملون نهاية الأسبوع وفي العطل الرسمية!
أخيراً، نعم كانت أستراليا محظوظة بتجنّب الركود الإقتصادي لمدة 25 عاماً ولكن الوضع الحالي غير مريح.
يقول الناقد الإجتماعي دونالد هورني في كتابه (البلد المحظوظ) الذي تم نشره في العام 1964، إن نجاح أستراليا (كما يوحي عنوان الكتاب) يعود إلى الحظ وليست لأية قرارات كفوءة إتخذها قادة البلاد.
السؤال الأخير هو إلى متى سيبقى الحظ إلى جانبنا وهل بالإمكان تجنّب ركوداً إقتصادياً في ظل قيادة مترددة وعقم سياسي ومراوحة بين التقدّم والتراجع كلعبة القط والفأر؟!